mediapresslebanon

·

—

من المعابر إلى المطارات… هل دخل لبنان وسوريا مرحلة إعادة وصل المصالح أم إعادة رسم النفوذ؟

من المعابر إلى المطارات… هل دخل لبنان وسوريا مرحلة إعادة وصل المصالح أم إعادة رسم النفوذ؟

تعاون نقل أم إعادة تموضع سياسي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية؟

ميديا برس ليبانون

■أحمد موسى

#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 في منطقة تغلي على وقع التحولات الأمنية والسياسية، وبين خطوط الاشتباك المفتوحة من غزة إلى الحدود السورية ـ العراقية، تبدو أي خطوة لبنانية ـ سورية اليوم أبعد من مجرد تنسيق إداري أو اتفاق تقني. فزيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى سوريا ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع، حملت في توقيتها ورسائلها ما يتجاوز ملفات النقل والمعابر، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تنظيم العلاقة بين بيروت ودمشق تحت ضغط الوقائع الاقتصادية والأمنية والإقليمية.

مصادر حكومية تحدثت لـ”ميديا برس ليبانون” عن أن الملفات التي طُرحت خلال الزيارة “لن تبقى في الأدراج”، مؤكدة أن نتائج عملية ستظهر خلال الأيام المقبلة، في مؤشر واضح إلى وجود قرار سياسي بإعادة تفعيل قنوات التعاون بين البلدين، بعد سنوات من البرود والتعقيد والتجاذب الداخلي اللبناني حول طبيعة العلاقة مع دمشق.

وفي هذا السياق، برز الاجتماع الذي عقده وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني مع وزير النقل السوري يعرب بدر، بحضور مسؤولين من الجانبين، كواحد من أكثر الاجتماعات حساسية منذ سنوات، نظراً لما تضمّنه من ملفات ترتبط مباشرة بالاقتصاد والسيادة وحركة العبور الإقليمية.

إعادة إحياء اتفاق 1993… الاقتصاد يفرض نفسه

أحد أبرز البنود التي طُرحت تمثّل في إعادة البحث باتفاقية النقل الموقعة عام 1993، ولا سيما ما يتعلق بمناقلة البضائع والشاحنات على الحدود. هذا الطرح لا يمكن فصله عن الأزمة الاقتصادية اللبنانية الخانقة، وحاجة بيروت الملحّة لإعادة فتح شرايين التصدير البري نحو العمق العربي عبر الأراضي السورية.

الرسائل هنا تتجاوز الشاحنات والمعابر. فإعادة تفعيل اتفاقيات الترانزيت تعني عملياً إعادة إدماج لبنان تدريجياً في شبكة الحركة البرية الإقليمية، في وقت تتبدّل فيه خرائط النفوذ الاقتصادي والتجاري في المنطقة، وسط سباق دولي على الممرات البرية والطاقة والخدمات اللوجستية.

وتشير مصادر متابعة إلى أن دمشق تنظر بدورها إلى هذا التعاون باعتباره فرصة لإعادة تثبيت دورها الجغرافي الحيوي بعد سنوات الحرب والعقوبات، فيما يسعى لبنان إلى التقاط أي فرصة تخفف من الانهيار الاقتصادي وتعيد تنشيط قطاع النقل والتجارة.

مطار القليعات… مشروع إنمائي أم بوابة استراتيجية للشمال؟

الاجتماع لم يقتصر على النقل البري، بل دخل إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة: مشروع تشغيل مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض في القليعات.

الملف، الذي عاد بقوة إلى الواجهة، لا يُقرأ فقط كخطة إنمائية لشمال لبنان، بل كمشروع يحمل أبعاداً جيوسياسية ولوجستية في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة. فالمطار، بحكم موقعه الجغرافي القريب من الحدود السورية والساحل الشرقي للمتوسط، قد يتحول إلى نقطة ربط تجارية وجوية جديدة في حال استقرت التفاهمات الإقليمية المقبلة.

كما أن البحث في إعادة فتح المسار الجوي المباشر بين بيروت ودمشق يعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة تنشيط الحركة الجوية الثنائية، بما يختصر زمن الرحلات ويحسن الكفاءة التشغيلية، لكنه يحمل أيضاً دلالات سياسية مرتبطة بإعادة تطبيع القنوات التقنية واللوجستية بين البلدين.

المعابر الحدودية… الأمن يواكب الاقتصاد

وفي ملف المعابر، بدا واضحاً أن التنسيق لم يعد محصوراً بالإدارة اللوجستية، بل يتصل مباشرة بالاعتبارات الأمنية والسيادية. فخطة نقل مركز المصنع الحدودي إلى نقطة أقرب من الحدود السورية تهدف، وفق المعطيات الرسمية، إلى تسريع العبور وتخفيف الازدحام، لكنها في العمق تعكس سعياً لإعادة تنظيم حركة الحدود في ظل تحديات التهريب والضغط الأمني والاقتصادي.

أما إعادة فتح معبر العبودية، بعد تضرر الجسرين الرابطين بين البلدين خلال عام 2024، فتؤكد وجود استعجال لدى الطرفين لإعادة وصل الشرايين البرية بين الشمال اللبناني والساحل السوري، خصوصاً بعد إنجاز الجيش اللبناني ووزارة الأشغال جسراً مؤقتاً، بالتوازي مع تنفيذ الجانب السوري لجسر موازٍ يُتوقع إنجازه خلال الأشهر المقبلة.

بين الواقعية السياسية وتبدّل الاصطفافات

اللافت في المشهد أن التعاون اللبناني ـ السوري يأتي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتبدّل التحالفات وتُعاد صياغة خرائط النفوذ تحت ضغط الحرب المفتوحة في المنطقة والتسويات الدولية المرتقبة. لذلك، فإن ما يجري اليوم بين بيروت ودمشق لا يبدو مجرد عودة تقنية للعلاقات، بل محاولة متبادلة لفرض واقعية سياسية جديدة تفرضها المصالح والضرورات الاقتصادية والأمنية.

وفيما لا تزال الانقسامات اللبنانية التقليدية حاضرة تجاه العلاقة مع سوريا، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن منطق “الحاجة المتبادلة” بدأ يتقدم على حساب الحسابات السياسية القديمة، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتبدّل أولويات القوى الإقليمية والدولية.

ما بعد الزيارة ليس كما قبلها

ما بين المعابر والمطارات وخطوط الترانزيت، تتحرك بيروت ودمشق نحو إعادة فتح قنوات تعاون قد تعيد رسم جزء من المشهد الاقتصادي والسياسي في المشرق. لكن السؤال الأعمق يبقى: هل يشكل هذا المسار بداية شراكة مستقرة تفرضها الجغرافيا والمصالح، أم أنه مجرد تقاطع مرحلي فرضته ظروف الإقليم المشتعل؟.

الأكيد أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تموضع كبرى، وأن خطوط النقل هذه المرة قد تتحول إلى خطوط نفوذ تتجاوز بكثير حركة الشاحنات والطائرات.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم الإقليمي والدولي

اترك تعليقًا