القاعدة السرّية في العراق… هل بدأ تفكيك “الدرع الإيراني” من الداخل؟

تسريبٌ يهزّ بغداد ويكشف هشاشة التوازنات الإقليمية

خاص_ميديا برس ليبانون

■د. راشد الشاشاني

#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحرب المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحور حلفائها من جهة أخرى، برز الحديث عن “قاعدة سرّية” قيل إن إسرائيل أقامتها داخل العراق بعلم أمريكي، كحدث يتجاوز بكثير حدود العمل الاستخباري التقليدي. فالمسألة هنا لا تتعلق بمجرد منشأة عسكرية مخفية، بل بما قد تمثّله من اختراق عميق للبنية الأمنية والسياسية العراقية، وإعادة رسم لقواعد الاشتباك داخل واحدة من أكثر ساحات النفوذ الإيراني حساسية.

هذا الكشف، سواء كان مقصودًا أو موجّهًا أو حتى جزءًا من حرب تسريبات، يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز العراق نفسه: هل بدأت واشنطن فعلاً مرحلة إعادة ترتيب النفوذ في المنطقة؟ وهل باتت بغداد ساحة اختبار لكسر “العمق الإيراني” بدل مواجهته مباشرة؟

تسريب القاعدة… صدفة استخبارية أم رسالة استراتيجية؟

القراءة الأولى للتسريب تقود إلى فرضية الصراع داخل المنظومة الأمريكية – الإسرائيلية نفسها، أي أن أطرافًا مناوئة لرئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu ربما دفعت نحو كشف القاعدة لإحراجه أو لإرباك إدارته العسكرية. إلا أن هذا السيناريو، وفق معطيات المشهد الحالي، يبدو محدود التأثير، خصوصًا أن العمليات ضد إيران لم تعد مجرّد مشروع إسرائيلي منفرد، بل تحوّلت إلى مسار أمريكي متكامل تتقاطع فيه الحسابات العسكرية والاستخبارية والسياسية.

أما السيناريو الأخطر، فهو أن يكون التسريب ذاته جزءًا من خطة أمريكية مدروسة، هدفها توجيه ضربة نفسية واستخبارية لإيران، عبر إثبات أن إحدى أهم ساحات نفوذها – العراق – باتت مخترقة إلى درجة تسمح بإنشاء قاعدة مرتبطة بالمجهود الإسرائيلي من دون اكتشافها.
هنا لا يعود السؤال: “هل توجد قاعدة؟”، بل يصبح: “كيف لم تُكتشف؟”.

العراق… خاصرة إيران الرخوة؟

تكمن خطورة الرواية المسرّبة في الموقع المفترض للقاعدة، إذ تشير المعطيات إلى أنها كانت ضمن نطاق جغرافي قريب من مناطق نفوذ الفصائل الموالية لإيران، وخصوصًا تشكيلات الحشد الشعبي المرتبطة رسميًا بالمؤسسة العسكرية العراقية.

وهذا يضع بغداد أمام معادلة شديدة الحساسية:
■إمّا أن الأجهزة العراقية لم تكن تعلم فعلًا بما يجري.
■أو أن هناك غطاءً داخليًا سهّل مرور المشروع.
■أو أن الاختراق تجاوز حدود العمل الاستخباري التقليدي ليصل إلى بنية القرار الأمني نفسه.
في الحالتين، تبدو إيران أمام أزمة ثقة حقيقية في “البيئة العراقية” التي طالما اعتبرتها خط الدفاع الأكثر ثباتًا في مشروعها الإقليمي.

من الليطاني إلى بغداد… مسار عمليات مترابط

التزامن بين الحديث عن القاعدة السرّية وبين إعلان الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات شمال نهر الليطاني في لبنان ليس تفصيلًا عابرًا. فالمشهد يوحي بوجود غرفة عمليات إقليمية موحدة تُدار وفق منطق “الضغط المتزامن” على امتداد الجغرافيا المرتبطة بالمحور الإيراني.

وفي هذا السياق، يصبح العراق جزءًا من معركة أوسع:
■لبنان يُضغط عسكريًا.
■سوريا تُستنزف أمنيًا.
■العراق يُخترق استخباريًا.
■وإيران تُستهدف نفسيًا واستراتيجيًا.
أي أن الرسالة قد لا تكون إسقاط نظام أو تحقيق نصر عسكري مباشر، بل دفع إيران إلى حالة استنزاف دائم وإرباك داخلي في إدارة ساحات نفوذها.

ترامب ونتنياهو… تحالف المصالح لا تحالف الثقة

التحليل يذهب أبعد من البعد الأمني، ليصل إلى طبيعة العلاقة بين Donald Trump ونتنياهو نفسه. فوفق هذا التصور، لا يبدو رئيس الحكومة الإسرائيلية بالنسبة لترامب أكثر من أداة مرحلية لإدارة التوازنات الإقليمية.

بمعنى آخر: حين تنتهي وظيفة “الوزن الإسرائيلي” في لحظة معينة، يمكن التضحية بجزء من نفوذه أو تحميله كلفة سياسية وأمنية، إذا كان ذلك يخدم إعادة التموضع الأمريكي الأوسع.

ومن هنا، قد يكون كشف القاعدة – إذا ثبتت فرضية التسريب الأمريكي المقصود – رسالة مزدوجة:
■لإيران: أن عمقها مخترق.
■ولنتنياهو: أن واشنطن وحدها تتحكم بإيقاع اللعبة.
■رئيس الوزراء العراقي أمام أخطر اختبار

الجانب الأكثر تعقيدًا في القضية يتمثل في انعكاساتها على الداخل العراقي نفسه، خصوصًا بالنسبة لرئيس الحكومة المكلّف، الذي يجد نفسه أمام تحدٍّ قد يتجاوز كل أزمات تشكيل الحكومات السابقة.

فالملف يفرض عليه:
■فتح مواجهة مع شبكات النفوذ داخل المؤسسات الأمنية.
■البحث عن مواضع الاختراق في الجيش والأجهزة.
■التعامل مع غضب إيراني متوقع تجاه البيئة العراقية.
■ومواجهة اتهامات ضمنية للحكومة السابقة بالتقصير أو التغطية.


وهذا يعني أن أي محاولة لإعادة ترتيب الدولة العراقية قد تتحول إلى صدام مباشر مع مراكز القوة التقليدية، سواء المرتبطة بالفصائل أو بالمصالح الإقليمية أو حتى بالتفاهمات الدولية.

فشل عسكري أم بداية إعادة التموضع؟

ورغم الضجيج الإعلامي والسياسي، فإن القراءة الأعمق للمشهد تشير إلى احتمال وجود تعثر أمريكي – إسرائيلي في تحقيق “الحسم السريع” ضد إيران، وهو ما يدفع واشنطن إلى الانتقال نحو استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على:
■إنهاك الخصم بدل إسقاطه.
■تفكيك ساحات نفوذه بدل المواجهة المباشرة.
■وإعادة هندسة التوازنات الداخلية في دول المحور.


لكن المفارقة الكبرى، وفق هذا الطرح، أن إيران نفسها لم تستثمر بعد نقاط الضعف الأمريكية – الإسرائيلية بالشكل الكافي، نتيجة غلبة العقل السياسي التقليدي على منطق “العسكرة الاستراتيجية” القادر على تحويل الفشل العسكري للخصم إلى مكاسب ميدانية دائمة.

العراق يدخل مرحلة “الشكّ الكبير”

سواء كانت القاعدة السرية حقيقة كاملة أو جزءًا من حرب نفسية مركّبة، فإن ما جرى يكشف بوضوح أن العراق لم يعد مجرد ساحة نفوذ إيراني أو أمريكي، بل أصبح ساحة اختبار لإعادة تشكيل الشرق الأوسط الأمني.

المرحلة المقبلة لن تكون صراع جيوش فقط، بل صراع اختراقات، وتسريبات، وإعادة تموضع، وضرب للثقة داخل التحالفات نفسها.

وفي قلب هذا المشهد، يقف العراق على حافة مرحلة يمكن وصفها بـ”زمن الشكّ الكبير”، حيث لم يعد أحد واثقًا من حدود نفوذه، ولا من صلابة حلفائه، ولا حتى من الجغرافيا التي يعتقد أنها تحت سيطرته.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحليل والآراء


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا