لبنان بين إعادة تشكيل الشرق الأوسط وتحدّي التموضع الاستراتيجي
تحوّل إقليمي يتجاوز حدود الحرب
ميديا برس ليبانون
#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 يُقدّم هذا التقدير السياسي الصادر عن “المركز العربي في بيروت” قراءة تتجاوز المقاربة اللبنانية التقليدية للأزمة، إذ ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن لبنان لم يعد مجرّد ساحة داخلية مأزومة، بل أصبح جزءًا من عملية إعادة تشكيل شاملة للنظامين السياسي والأمني في الشرق الأوسط بعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران.
فالتحولات الجارية لا تتعلق فقط بتوازنات عسكرية أو بتراجع نفوذ قوى وصعود أخرى، بل بإعادة تعريف شكل المنطقة نفسها: من يملك النفوذ؟ من يتحكم بالممرات التجارية والطاقة؟ ومن يضع قواعد الأمن الإقليمي الجديد؟
في هذا السياق، يتحوّل لبنان تدريجيًا إلى نقطة تقاطع حساسة بين مشاريع متنافسة، بعضها يسعى إلى فرض هيمنة إسرائيلية طويلة الأمد، وبعضها الآخر يحاول إنتاج شبكة توازنات إقليمية تمنع الانفراد بالمنطقة.
إسرائيل من “الأمن الوقائي” إلى مشروع الهيمنة الإقليمية
واحدة من أبرز خلاصات الحرب الأخيرة أن إسرائيل لم تعد تتصرف فقط بوصفها دولة تسعى لحماية أمنها المباشر، بل كقوة تعمل على إعادة هندسة البيئة الإقليمية المحيطة بها.
فالحرب كشفت انتقالًا إسرائيليًا من منطق “الردع” إلى منطق “إعادة ترتيب الإقليم”، عبر التحكم بملفات:
□الأمن الحدودي.
□خطوط الطاقة.
□الممرات التجارية.
□التحالفات العسكرية.
□التوازنات السياسية داخل الدول المجاورة.
ومن هنا تكتسب الساحة اللبنانية أهمية مضاعفة، لأن أي تغيير في وضع الجنوب أو في بنية التوازن الداخلي اللبناني سيُقرأ إسرائيليًا كجزء من مشروع إعادة بناء الشرق الأوسط بعد الحرب.
تراجع المظلّة الأميركية وصعود “الأمن الإقليمي المرن”
التقدير يسلّط الضوء أيضًا على التحول في الدور الأميركي. فواشنطن، المنشغلة بمواجهة الصين وروسيا، لم تعد قادرة أو راغبة في تقديم الضمانات الأمنية التقليدية نفسها لحلفائها في المنطقة.
هذا التحول دفع عددًا من الدول العربية، خصوصًا الخليجية، إلى مراجعة مفهوم الأمن الإقليمي، والانتقال نحو مقاربة تقوم على:
□تخفيف الاعتماد على الحماية الأميركية.
□بناء تفاهمات إقليمية متعددة.
□منع الانفجار الشامل.
□إدارة الصراعات بدل حسمها.
وهنا يبرز ما يسمّى بـ”مسار إسلام أباد”، الذي يجمع بصورة غير مباشرة دولًا مثل:
Saudi Arabia
Turkey
Egypt
Qatar
Pakistan
مع انخراط تدريجي لـSyria.
هذا المسار لا يشبه الأحلاف العسكرية التقليدية، بل يقوم على توازنات مرنة وشبكات تفاهم تهدف إلى منع أي قوة منفردة، وخاصة إسرائيل، من احتكار القرار الإقليمي.
لبنان كساحة “احتواء” لا كساحة حسم
اللافت في المقاربات العربية الجديدة تجاه لبنان أنها، رغم اختلاف أهدافها، تتفق على نقطة أساسية: منع انهيار الدولة اللبنانية الكامل.
المقاربة الخليجية
ترى دول الخليج، وخصوصًا Saudi Arabia، أن تقليص النفوذ الإيراني يبقى هدفًا استراتيجيًا، لكن دون الذهاب إلى فوضى شاملة قد تنتج انهيارًا أمنيًا أو موجات نزوح وعدم استقرار تمتد إلى المنطقة.
لذلك أصبح التركيز على:
□دعم مؤسسات الدولة.
□الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
□منع تحوّل لبنان إلى ساحة انفجار مفتوح.
الدور القطري
تلعب قطر دور الوسيط القادر على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة بين الأطراف المختلفة، مع اعتماد سياسة “احتواء التصعيد” بدل المواجهة المباشرة.
المقاربة المصرية
أما مصر فتطرح مقاربة أكثر تفصيلًا تقوم على:
□تجميد النشاط العسكري في مناطق محددة.
□وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.
□انسحاب تدريجي متبادل.
□ربط إعادة الإعمار بالتسوية السياسية والأمنية.
وهي محاولة لتحقيق توازن بين الأمن والسياسة والاقتصاد ضمن سلّة واحدة.
تركيا وسورية: عودة الجغرافيا السياسية
تعتبر Turkey أن ما يجري لا يهدد إيران وحدها، بل قد يمتد لاحقًا لمحاصرة الدور التركي في:
□سوريا
□شرق المتوسط.
□ممرات الطاقة والتجارة.
ومن هنا يبرز اهتمام أنقرة المتزايد بالساحة اللبنانية، خصوصًا أن لبنان يرتبط مباشرة بمشاريع العبور الإقليمي والطاقة وإعادة الإعمار.
في المقابل، تحاول Syria العودة إلى موقع “العقدة الجغرافية” التي تربط الإقليم بعضه ببعض، عبر تقديم نفسها كدولة عربية منفتحة لا كساحة نفوذ خالصة لأي محور.
ويظهر هذا بوضوح في ملفات:
□التجارة البرية.
□الطاقة.
□إعادة الإعمار.
□الربط الاقتصادي بين لبنان وعمقه العربي.
المأزق اللبناني: غياب القرار الاستراتيجي
تكمن خطورة المرحلة في أن لبنان يدخل هذه التحولات الكبرى وهو يعاني:
□انقسامًا داخليًا حادًا.
□شللًا سياسيًا مزمنًا.
□أزمة اقتصادية عميقة.
□هشاشة مؤسساتية وأمنية.
لذلك لم يعد السؤال الأساسي مرتبطًا فقط بمصير الحرب في الجنوب، بل بموقع لبنان في الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل.
فالبلد يواجه احتمالين متناقضين:
1. التحول إلى جزء من ترتيبات أمنية وسياسية تفرضها إسرائيل بعد الحرب.
2. أو الاندماج ضمن شبكة التوازنات العربية – الإقليمية الجديدة التي تحاول منع الهيمنة والانهيار معًا.
التموضع الاستراتيجي وبناء التوازنات وإدارة النفوذ
التحولات الحالية تشير إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة طويلة من إعادة التموضع الاستراتيجي، حيث لن تكون الحروب الكبرى وحدها العامل الحاسم، بل القدرة على بناء التوازنات وإدارة النفوذ.
أما لبنان، فلم يعد قادرًا على الاستمرار في موقع “الحياد السلبي” أو إدارة أزماته بمنطق التسويات المؤقتة. فمستقبله سيتحدد بمدى قدرته على:
□قراءة التحولات الإقليمية بدقة.
□إعادة بناء الدولة والمؤسسات.
□صياغة رؤية وطنية موحدة للموقع الاستراتيجي اللبناني.
□منع تحوله إلى ساحة دائمة للصراعات الإقليمية.
وفي ظل الشرق الأوسط الجديد الذي يولد من رماد الحروب، تبدو معركة لبنان الحقيقية ليست فقط أمنية أو عسكرية، بل معركة تحديد الهوية السياسية والاستراتيجية للدولة نفسها.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحليل والآراء



اترك تعليقًا