تحت النار والتفاهمات: هل يدفع لبنان ثمن “اللغم” الإسرائيلي على مذكرة واشنطن – طهران؟

تحت النار والتفاهمات: هل يدفع لبنان ثمن “اللغم” الإسرائيلي على مذكرة واشنطن – طهران؟

الجنوب يشتعل… ولبنان بين فكيّ التفاهم والردع

خاص_ميديا برس ليبانون
¤أحمد موسى

أكثر من مئةٍ وخمسين غارة واستهدافاً نارياً امتدت من قرى جنوب الليطاني إلى شماله، وصولاً إلى عمق البقاع الغربي، في مشهدٍ بدا أقرب إلى عملية عسكرية مفتوحة تتجاوز حدود “الرسائل الميدانية” نحو إعادة رسم قواعد الاشتباك بالنار والدم.
سماء بيروت لم تهدأ من هدير المسيّرات، فيما تحولت قرى الجنوب إلى ساحات استعراض ناري كثيف خلّف عشرات الشهداء والجرحى بين المدنيين، من نساء وأطفال ومسعفين، وسط دمار طال المنازل والمؤسسات وحتى المراكز الصحية، في تصعيدٍ متزامن مع التسريبات المتصلة بمذكرة التفاهم الإيرانية – الأميركية، ولا سيما الشق المرتبط بلبنان.

المشهد الميداني يوحي بأن إسرائيل تتعامل مع أي تقارب أميركي – إيراني باعتباره تهديداً مباشراً لمشروعها العسكري والسياسي في المنطقة، ولذلك جاء الرد عبر توسيع بنك الأهداف ورفع مستوى الضغط الناري، بالتوازي مع إنذارات إخلاء قسري طالت خلال أربعٍ وعشرين ساعة نحو ثلاثين بلدة شمال الليطاني، في خطوة تعكس انتقال العدوان من سياسة الضربات الموضعية إلى استراتيجية إنهاكٍ شاملة.

“حق الشفعة” الإيراني… ونتنياهو يزرع الألغام

وفق المعطيات السياسية المتقاطعة، فإن طهران أدرجت لبنان ضمن “البيعة التفاوضية” في مذكرة التفاهم مع واشنطن، واضعةً وقف الحرب عليه ضمن سلّة إنهاء المواجهات على مختلف الجبهات.
هذا البند تحديداً أثار قلق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي سارع – بحسب مصادر متابعة – إلى إبلاغ الإدارة الأميركية اعتراضه على أي صيغة تُقيّد حرية إسرائيل العسكرية في لبنان.

لكن الأخطر، وفق القراءة السياسية، أن نتنياهو نجح في إدخال “ملحق أمني” إلى النقاشات، يقوم على منح إسرائيل حق توجيه ضربات استباقية ضد ح_ز_ب الله في حال أعاد بناء قدراته العسكرية أو عاد إلى التسلح.
وهنا يكمن التحول الأخطر: فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بمطلب “نزع السلاح”، بل بمنع إعادة إنتاج القوة العسكرية للحزب مستقبلاً، بما يعني عملياً إبقاء لبنان تحت مظلة الاستباحة الدائمة بذريعة “التهديد المحتمل”.

لجنة مراقبة دولية… محاولة لنزع فتيل الحرب

في مقابل هذا “اللغم الإسرائيلي”، بدأت تبرز داخل الأروقة الدبلوماسية أفكارٌ لتشكيل لجنة مراقبة دولية – عربية مشتركة، تكون مهمتها التحقيق والتدقيق في أي معلومات تتعلق بإعادة التسلح، بما يمنع إسرائيل من استخدام الادعاءات الأمنية كغطاءٍ دائم للغارات والخروقات.

الطرح، وإن بدا نظرياً حتى اللحظة، يحمل في جوهره محاولة لسحب الذريعة من يد تل أبيب، خصوصاً بعد أن تحوّل اتفاق وقف إطلاق النار إلى مادة تفسيرية إسرائيلية مفتوحة، تُستخدم لتبرير القصف والتوغلات والاغتيالات الجوية المستمرة منذ اتفاق تشرين وحتى اليوم.

من اتفاق نيسان إلى “الخط الأصفر”… إسرائيل ترفض أي قيود

كل الطروحات السياسية تصطدم حتى الآن بجدار الرفض الإسرائيلي. فنتنياهو نقل عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، فيما ذهبت هيئة البث الإسرائيلية أبعد من ذلك بكشفها عن استعداد الجيش الإسرائيلي لتعديل خطط انتشاره داخل الأراضي اللبنانية.

الأخطر جاء على لسان مصدر عسكري إسرائيلي تحدث صراحة عن إمكانية “اختراق الخط الأصفر” لمعالجة ما وصفه بتهديدات ح_ز_ب الله، ما يعني أن تل أبيب تتعامل مع الحدود اللبنانية باعتبارها ساحة عمليات مفتوحة لا تعترف عملياً بأي خطوط ردع أو ترتيبات دولية.

أين الدولة اللبنانية؟

وسط هذا التصعيد، يبدو لبنان الرسمي غائباً عن المشهد، أو في الحد الأدنى عاجزاً عن مواكبة حجم التحولات العسكرية والسياسية.
فبينما تتعرض القرى الجنوبية والبقاعية لاستباحة يومية، ينشغل الوفد العسكري اللبناني بالتحضير لاجتماعات البنتاغون، حاملاً ملفات تتعلق بتثبيت وقف إطلاق النار وطلب الدعم اللوجستي للمؤسسة العسكرية، في وقت تغيب فيه أي ضمانات فعلية لوقف الخروقات الإسرائيلية أو الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة.

وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن خطورة الاجتماعات المقبلة تكمن في احتمال طرح الوفد الإسرائيلي صيغاً للتنسيق الأمني المباشر مع الجانب اللبناني، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضغوط السياسية والعسكرية تحت عنوان “إدارة الأمن الحدودي”.

وفي هذا السياق، ترى مصادر متابعة أن الاجتماعات المرتقبة قد تتحول إلى “لزوم ما لا يلزم” إذا بقيت التهديدات الإسرائيلية خارج أي مساءلة دولية، خصوصاً أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن تل أبيب تفرض بالنار وقائع تتجاوز كل التفاهمات المعلنة.

إسلام آباد والدوحة على خط الوساطة… ونتنياهو خارج قمرة القيادة

سياسياً، لا تزال مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في مرحلة الأخذ والرد، بعد أن أخضع الجانب الإيراني الملاحظات الأميركية لنقاشات داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، تمهيداً لرفعها إلى المرشد الأعلى لاتخاذ القرار النهائي.

وفي موازاة ذلك، تتحرك كل من إسلام آباد والدوحة على خط الوساطة، مدعومتين بسلسلة اتصالات أجراها ترامب مع قادة الخليج وتركيا، في محاولة لتثبيت إطار تفاوضي يمنع انفجار المنطقة.

ترامب نفسه تحدث عن “أخبار جيدة” وعن عدم استعجاله التوقيع، لكن خلف هذا الهدوء تبدو المعركة الحقيقية كامنة في التفاصيل، حيث تحاول إسرائيل إعادة إدخال شروطها الأمنية إلى قلب أي تفاهم إقليمي.

وتشير تقارير استخباراتية إسرائيلية إلى حالة استياء داخل الدوائر السياسية في تل أبيب بعد تراجع دور نتنياهو في كواليس التفاوض، إذ انتقل – وفق توصيف متداول داخل الإعلام الإسرائيلي – من موقع “قائد المشهد” إلى “راكب في الدرجة السياحية”، بعدما كان يطمح إلى إسقاط النظام الإيراني وتفكيك برنامجه النووي والبالستي بالكامل.

لبنان بين هدنة الورق وحرب الميدان

ما يجري في الجنوب والبقاع لم يعد مجرد تصعيد عسكري عابر، بل يبدو جزءاً من معركة أكبر تُخاض على خرائط النفوذ وشروط التسويات المقبلة في المنطقة.
إسرائيل تحاول فرض وقائع بالنار قبل اكتمال أي تفاهم أميركي – إيراني، فيما يعيش لبنان أخطر مراحل الاستباحة الميدانية وسط غيابٍ رسمي وعجزٍ دولي عن كبح الانفجار.

وبين هدنةٍ تُكتب على الورق وحربٍ تُرسم بالصواريخ، يبقى السؤال: هل يتحول لبنان إلى بندٍ تفاوضي دائم في صفقات الإقليم، أم ينجح في انتزاع ضمانات تمنع تحويل أرضه إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية؟.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي والإنمائي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا