توم براك ومهمة الرئيس
فخّ سحب سلاح الفصائل وخيار الدولة القوية
الأردن_ميديا برس ليبانون
د. راشد الشاشاني
##ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 يبدو أن تعيين توم براك مبعوثاً رئاسياً أميركياً إلى سوريا والعراق، إلى جانب مهامه سفيراً لواشنطن لدى تركيا، يعكس توجهاً أميركياً جديداً يقوم على تقليل الانخراط المباشر وزيادة الفاعلية السياسية. فالمسألة لا ترتبط، كما يعتقد البعض، باهتمام استثنائي بمصالح شعوب المنطقة، بقدر ما تأتي في إطار رؤية تعتمد التعامل مع القوى القادرة على فرض الوقائع، باعتبار أن العوائد السياسية الناتجة عن إدارة موازين القوى أكبر من تلك التي يمكن تحقيقها عبر دعم المجموعات المتفرقة أو الرهان على مشاريع غير مستقرة.
هذا التوجه ينسجم مع سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب القائمة على التعامل مع السلطات القائمة والقوى المؤثرة، بدلاً من الانخراط في إدارة شبكات واسعة من الحلفاء المحليين. ومن هنا يمكن فهم توسع الدور التركي في ملفات المنطقة، إذ لم تعد أنقرة اللاعب الوحيد الساعي إلى توسيع نفوذها عبر الفصائل المتحالفة معها، بل دخلت أطراف أخرى إلى المشهد مستفيدة من التحولات الإقليمية والدولية.
ولعل خبرة براك في ملفات الشرق الأوسط لم تكن وحدها السبب في اختياره لهذه المهمة، بل أيضاً قدرته على إدارة التوازنات السياسية وإيصال الرسائل الأميركية بدقة. فقد ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بمحطات أثارت آمالاً كبيرة لدى أطراف متعددة، قبل أن تتبدد سريعاً، مخلفة انقسامات وخلافات داخلية استثمرها كل فريق في مواجهة خصومه.
هذه الدينامية عكست تحولاً في طبيعة الدور الأميركي؛ فبدلاً من انتقال المسؤولين الأميركيين باستمرار بين عواصم المنطقة لمحاولة حل الأزمات، باتت الأطراف المحلية نفسها تسعى إلى الوصول إلى واشنطن أو إلى مراكز القرار الأميركية أملاً في الحصول على حلول أو ضمانات سياسية. وهو تحول يعكس إعادة صياغة للعلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها في المنطقة.
وفي هذا السياق، تبدو عملية إعادة ترتيب المشهد السياسي في عدد من الدول، ومنها لبنان وسوريا والعراق، جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى التعامل مع سلطات قائمة يمكن تحميلها مسؤوليات واضحة، بدلاً من التعامل مع كيانات متشعبة أو قوى غير منضبطة. وقد فرض ذلك توسيع نطاق مهمة براك جغرافياً وسياسياً، بحيث تشمل مراقبة تحولات متعددة تتجاوز حدود الملفات التقليدية.
كما أن هذا التوسع لا ينفصل عن أفكار سبق أن أشار إليها براك بشأن مستقبل الحدود السياسية، وأشكال الحكم، والعلاقة بين المركزية واللامركزية، وهي ملفات لا تزال مطروحة بقوة في دول المنطقة التي تعاني أزمات بنيوية عميقة.
ومن هنا يبرز سؤال أساسي: هل ما زالت المقاربة الأميركية نفسها قائمة تجاه إيران، أم أن التجارب السابقة في لبنان وسوريا والعراق وفنزويلا دفعت واشنطن إلى البحث عن نماذج مختلفة للتعامل مع الخصوم الإقليميين، خصوصاً بعد تعثر محاولات إنتاج أنظمة موالية بصورة مباشرة؟
كما يطرح ملف سحب سلاح الفصائل نفسه كأحد أبرز التحديات. فالولايات المتحدة تدرك أن تحقيق هذا الهدف ليس مهمة سهلة، وربما يكون في بعض الحالات شبه مستحيل. غير أن طرحه المستمر قد يهدف إلى دفع الدول نحو بناء مؤسسات مركزية أكثر قوة وقدرة على إدارة شؤونها، بما يحد من تحوّل أراضيها إلى ساحات صراع مفتوحة.
وعلى هذا الأساس، فإن الحديث الأميركي عن “الدولة القوية” قد لا يتطابق بالضرورة مع المفهوم المتداول محلياً. فالدولة القوية في الرؤية الأميركية قد تكون دولة قادرة على ضبط التوازنات الداخلية وتأمين الاستقرار السياسي والأمني بما يخدم شبكة المصالح الدولية والإقليمية المرتبطة بها.
الخلاصة
لم يعد مفهوم الدولة مفهوماً ثابتاً أو موحداً بين مختلف الفاعلين الدوليين والإقليميين. فالتطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب السياسات التي انتهجتها إدارة ترامب، أفرزت تعريفات جديدة للدولة ولحدود دورها ووظائفها. ومن هنا يمكن فهم كثير من التحركات السياسية الجارية اليوم باعتبارها جزءاً من عملية إعادة تشكيل للمشهد الإقليمي أكثر منها مجرد معالجة لأزمات آنية.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحليل والآراء



اترك تعليقًا