الحرب الطويلة على لبنان: كيف تحوّل “اللااستقرار المضبوط” إلى أداة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية؟
الصين _ ميديا برس ليبانون
□د. وائل خليل ياسين
#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى المواجهات العسكرية والتجاذبات السياسية على الحدود الجنوبية، يبرز سؤال أكثر عمقاً: هل ما يشهده لبنان مجرد صراع أمني متكرر، أم أنه جزء من استراتيجية إقليمية ودولية أوسع تقوم على إدارة التوتر بدل إنهائه؟ فبين الحرب الشاملة المستبعدة والاستقرار الكامل المؤجل، يبدو أن لبنان عالق في منطقة رمادية عنوانها «اللااستقرار المضبوط»، حيث تتحول الأزمات إلى أدوات لإعادة إنتاج النفوذ ورسم موازين القوى.
حدود مشتعلة… وسقف محسوب
لا تبدو المواجهة بين إسرائيل وحزب الله مجرد نزاع عسكري تقليدي، بل أقرب إلى صراع يُدار ضمن حدود دقيقة تمنع الانفجار الكبير، لكنها في الوقت نفسه تحول دون الوصول إلى تسوية دائمة. فالتوازن القائم اليوم يقوم على معادلة دقيقة: توتر مستمر يكفي لإبقاء أوراق الضغط حاضرة، من دون الذهاب إلى حرب قد تُحدث تحولات غير محسوبة.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الاستقرار اللبناني من زاوية مختلفة لدى بعض القوى الإقليمية، إذ إن لبنان المستقر اقتصادياً ومؤسساتياً قد يستعيد تدريجياً دوره التاريخي كمركز تجاري ولوجستي على ضفاف المتوسط، مستفيداً من موقعه الجغرافي وقدراته المحتملة في مجالات النقل والطاقة والاستثمار.
الاقتصاد… الضحية الصامتة
يؤدي استمرار التوتر إلى تعطيل فرص النمو وإضعاف الثقة الاستثمارية، ما ينعكس مباشرة على قدرة الدولة اللبنانية على استقطاب رؤوس الأموال وإطلاق مشاريع تنموية كبرى. فكل جولة تصعيد جديدة تعيد إنتاج مناخ عدم اليقين، وتدفع المستثمرين إلى التردد، فيما تتآكل فرص النهوض الاقتصادي عاماً بعد عام.
ومن هذا المنطلق، يصبح «اللااستقرار المضبوط» أكثر من مجرد واقع أمني؛ إذ يتحول إلى عامل يحدّ من تراكم القوة الاقتصادية اللبنانية ويؤخر أي محاولة جدية لاستعادة الدور الإقليمي الذي كان لبنان يؤديه تاريخياً.
إيران وإسرائيل… تقاطع مصالح رغم الصراع
ورغم التناقض الحاد بين المشروعين الإيراني والإسرائيلي، فإن استمرار الساحة اللبنانية كميدان مفتوح للتجاذب يخدم، بدرجات مختلفة، حسابات الطرفين.
فإيران ترى في لبنان إحدى ساحات النفوذ الأساسية ضمن شبكة التوازنات الإقليمية، بما يسمح لها بالحفاظ على أوراق ضغط استراتيجية في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين.
في المقابل، تستفيد إسرائيل من واقع يبقي حدودها الشمالية تحت السيطرة الاستراتيجية ويمنع ظهور بيئة لبنانية مستقرة وقادرة على تعزيز عناصر القوة الاقتصادية والسياسية مستقبلاً.
واشنطن ومعادلة الحماية
أما الولايات المتحدة، فتبدو مقاربتها مختلفة شكلاً، لكنها تتقاطع مع استمرار التوتر الإقليمي. فكلما ارتفع منسوب المخاطر الأمنية في المنطقة، ازدادت حاجة الدول الخليجية إلى المظلة الأمنية الأميركية، ما يعزز مكانة واشنطن كشريك استراتيجي أساسي ويكرس منظومة الحماية والنفوذ القائمة منذ عقود.
ح_ز_ب الله ومعادلة الشرعية
على المستوى الداخلي، يشكل استمرار التهديد الإسرائيلي والاحتلال لبعض النقاط الحدودية عنصراً أساسياً في خطاب ح_ز_ب الله وسرديته السياسية المرتبطة بالمقاومة. ويتيح هذا الواقع للحزب المحافظة على دوره العسكري والسياسي داخل المعادلة اللبنانية، باعتباره لاعباً رئيسياً في ملف الصراع مع إسرائيل.
وبذلك تصبح حالة التوتر المستمرة جزءاً من البيئة السياسية التي تساهم في تثبيت موازين القوى الداخلية، وتعزيز حضور الحزب كفاعل محوري في المشهد اللبناني والإقليمي.
اللبنانيون يدفعون الثمن
لكن وسط هذه الحسابات المتشابكة، يبقى اللبنانيون الطرف الأكثر تضرراً. فالمجتمعات المحلية، ولا سيما في الجنوب، تتحمل تبعات المواجهات من خسائر بشرية ونزوح وتدمير للممتلكات والبنى التحتية، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية المتراكمة.
وتكشف جولات التصعيد المتكررة أن الكلفة الفعلية للصراع تقع على المواطنين الذين يجدون أنفسهم في قلب معادلات إقليمية ودولية تتجاوز مصالحهم المباشرة، فيما تتراجع فرص التنمية والاستقرار عاماً بعد آخر.
نزاع المصالح الاستراتيجية
في ضوء هذه المعطيات، لا يمكن قراءة ما يجري على الحدود الجنوبية باعتباره نزاعاً عسكرياً فحسب، بل كجزء من شبكة معقدة من المصالح والحسابات الاستراتيجية التي تتداخل فيها اعتبارات الأمن والاقتصاد والسياسة. وبينما تسعى القوى المختلفة إلى إدارة التوازنات والحفاظ على أوراق النفوذ، يبقى لبنان أسير واقع «اللااستقرار المضبوط»، حيث تتحول الأزمات إلى آلية دائمة لإعادة تشكيل موازين القوى، فيما يظل الاستقرار الحقيقي مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ قسم التحليل والآراء
□رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، استشاري متخصص بالسياسات الصينية لمنطقة الشرق الأوسط




اترك تعليقًا