العودة المعلّقة إلى الجنوب… لماذا لم يتحوّل الاتفاق الإطاري إلى استقرار فعلي؟


الأمن الهش والدمار الهائل وأزمة التمويل تُبقي آلاف النازحين بين انتظار العودة والخشية من حرب جديدة

ميديا برس ليبانون

#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 رغم دخول الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ في 26 حزيران/يونيو، فإن المشهد الميداني في جنوب لبنان لا يعكس حتى الآن نهاية فعلية لمرحلة النزوح. فالعودة التي كان يُفترض أن تبدأ تدريجيًا تصطدم بسلسلة من التعقيدات الأمنية والسياسية والاقتصادية، لتتحول إلى عملية بطيئة وغير مستقرة، فيما يبقى عشرات آلاف النازحين عالقين بين الرغبة في العودة والخوف من تجدّد المواجهة.

ويكشف تقدير موقف صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت بعنوان “النازحون بعد الاتفاق الإطاري: قراءة في تعقيدات النزوح والعودة” أن الاتفاق شكّل تحولًا سياسيًا مهمًا، إلا أن انعكاساته العملية ما زالت محدودة، إذ إن استعادة الحياة الطبيعية في الجنوب لا تزال مرتبطة بجملة من العوامل المتشابكة، وفي مقدمتها الوضع الأمني، وإعادة الإعمار، وآليات تنفيذ الاتفاق.

ويستند التقرير إلى بيانات المركز الوطني للبحوث العلمية التي تشير إلى تدمير أو تضرر أكثر من 61 ألف وحدة سكنية بين آذار/مارس وأيار/مايو 2026، ما أدى إلى خروج مساحات واسعة من الجنوب عن الخدمة السكنية، في وقت لا يزال نحو 134,800 نازح يقيمون في مراكز الإيواء، وسط ضغط كبير على المناطق المستضيفة، ولا سيما في بيروت وجبل لبنان، مع انتقال أعداد إضافية إلى الشمال والبقاع رغم محدودية الخدمات فيهما.

ويزداد المشهد الإنساني تعقيدًا مع ارتفاع نسبة النساء والفتيات بين النازحين، إضافة إلى وجود نحو 16 ألف امرأة حامل يواجهن تحديات صحية متفاقمة نتيجة تضرر البنية الصحية واستهداف عدد من المراكز الطبية خلال الحرب.

خفض تصعيد… لا وقفًا للحرب

ويرى التقرير أن الجنوب لم يدخل بعد مرحلة وقف إطلاق نار مستدام، بل يعيش ما يمكن وصفه بـ”خفض التصعيد الهش” أو “حرب الاستنزاف منخفضة الوتيرة”. فوفق المعطيات الواردة، لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على نحو 6 في المئة من الأراضي اللبنانية، مع استمرار الغارات والتوغلات في أقضية بنت جبيل وصور ومرجعيون.

ويستشهد التقرير بتفجير نفق في بلدة مجدل زون في 28 حزيران/يونيو، باعتباره مؤشرًا على أن بعض المناطق ما زالت تُدار بمنطق العمليات العسكرية، بعيدًا عن الضمانات المدنية التي يفترض أن يكرسها الاتفاق.

ثلاثة عوائق أمام العودة

ويحدد التقرير ثلاثة تحديات رئيسية تحول دون عودة مستقرة للنازحين:
■الدمار الواسع الذي طال المساكن والبنية التحتية، مع وجود نحو 8.5 ملايين متر مكعب من الأنقاض تحتاج إلى إزالة بكلفة تقدّر بحوالي 250 مليون دولار، إضافة إلى الأضرار الكبيرة في شبكات المياه والكهرباء والطرقات.
■أزمة التمويل، إذ تُقدَّر الخسائر الإجمالية للحرب بما لا يقل عن 20 مليار دولار، في ظل غياب خطة دولية متكاملة لإعادة الإعمار واستمرار فجوة التمويل.
■غياب الضمانات السياسية والأمنية الواضحة، حيث لا تزال آليات تنفيذ الاتفاق والجدول الزمني المرتبط بإعادة الإعمار والترتيبات الأمنية قيد التبلور، ما يعمّق حالة عدم اليقين لدى السكان.

الخوف… العائق الأكبر

ولا يقتصر الأمر على التحديات المادية، بل يؤكد التقرير أن العامل النفسي بات أحد أبرز أسباب تأخر العودة، إذ فقد كثير من النازحين الثقة باستمرار التهدئة بعد تجارب نزوح متكررة، ما دفع العديد منهم إلى الاكتفاء بزيارات قصيرة لتفقد منازلهم قبل العودة إلى أماكن النزوح.

وفي المقابل، تواجه الدولة اللبنانية تحديًا مؤسساتيًا كبيرًا، إذ يُنتظر منها تنفيذ التزامات أمنية ولوجستية واسعة رغم محدودية إمكاناتها، فيما يتركز دور الجيش اللبناني حاليًا على تنظيم العودة ومنع الوصول إلى المناطق غير الآمنة، أكثر من تمكين الأهالي من العودة النهائية.

الاختبار الحقيقي

ويخلص التقرير إلى أن مستقبل عودة النازحين لن يتحدد بالاتفاقات السياسية وحدها، بل بقدرة الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي على توفير التمويل اللازم لإعادة الإعمار، وترسيخ ضمانات أمنية حقيقية تحول التهدئة إلى استقرار دائم.

فمن دون هذه العناصر، ستبقى العودة إلى الجنوب عملية جزئية ومؤقتة، وسيظل آلاف اللبنانيين يعيشون بين منازل مدمرة ومراكز إيواء، بانتظار أن تتحول الوعود السياسية إلى واقع يعيد إليهم الأمن والاستقرار وحقهم في حياة كريمة.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحليل والآراء


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا