خمسة ملايين يورو لإحياء الزراعة اللبنانية… هل تكفي لإعادة الحياة إلى الريف المنكوب؟


قراءة في أبعاد الدعم الإيطالي بين التعافي الزراعي وإعادة بناء الأمن الغذائي

ميديا برس ليبانون
#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 في وقت لا يزال القطاع الزراعي اللبناني يدفع أثمان الحرب والأزمة الاقتصادية، جاء الإعلان عن تخصيص الحكومة الإيطالية خمسة ملايين يورو لدعم الزراعة اللبنانية ليعيد طرح سؤال جوهري: هل دخل لبنان مرحلة التعافي الزراعي، أم أن هذه المبادرات تبقى مجرد استجابة إنسانية لا ترقى إلى حجم الدمار الذي أصاب واحدة من أهم ركائز الاقتصاد الوطني؟.

فالقطاع الزراعي لم يتعرض خلال السنوات الأخيرة لخسائر مالية فقط، بل أصيب في بنيته الإنتاجية، بعدما دُمّرت مساحات واسعة من الأراضي، وتضررت شبكات الري والآبار الزراعية والبيوت البلاستيكية والمزارع، وتراجعت القدرة على الوصول إلى الحقول والأسواق، فيما فقد آلاف المزارعين مصادر دخلهم، وتحولت مناطق زراعية كاملة إلى ساحات نزاع.

وفي هذا المشهد، يكتسب التمويل الإيطالي أهمية تتجاوز قيمته المالية، لأنه يشكل أول ترجمة عملية لمذكرة التفاهم الزراعية بين لبنان وإيطاليا، ورسالة سياسية تؤكد استمرار الرهان الدولي على الزراعة كمدخل لإعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

خسائر تتجاوز المليارات… والزراعة في قلب الأزمة

تشير التقديرات الرسمية إلى أن الحرب خلّفت أضراراً واسعة في القطاع الزراعي، طالت الأراضي المزروعة، والثروة الحيوانية، والبنية التحتية الزراعية، وشبكات الري، والطرقات الزراعية، إضافة إلى توقف آلاف المزارعين عن الإنتاج بسبب المخاطر الأمنية أو النزوح.

وتنعكس هذه الخسائر مباشرة على الأمن الغذائي، إذ يمثل القطاع الزراعي مصدر الدخل الأساسي لعشرات آلاف العائلات، كما يشكل ركيزة للصادرات الزراعية اللبنانية، ما يجعل أي تراجع في الإنتاج ينعكس على الاقتصاد الوطني بأكمله.

الدعم الإيطالي… من المساعدات إلى الاستثمار

بعكس كثير من برامج الإغاثة التقليدية، يعتمد المشروع الإيطالي على مقاربة تنموية متكاملة، إذ لا يقتصر على توزيع المساعدات، بل يهدف إلى إعادة تشغيل الدورة الإنتاجية الزراعية.

وسيستفيد من البرنامج ما لا يقل عن 9850 أسرة زراعية في محافظات الجنوب والنبطية والبقاع وبعلبك – الهرمل، إلى جانب توفير فرص عمل مؤقتة لنحو 2200 نازح عبر برامج النقد مقابل العمل.

كما يشمل المشروع دعم 40 تعاونية زراعية، وتأهيل 60 موظفاً في وزارة الزراعة، بما يعزز قدرة الوزارة على إدارة الأزمات والاستجابة للطوارئ مستقبلاً.

لماذا يركز المشروع على البقاع والجنوب؟

لا يأتي اختيار هذه المحافظات من فراغ، فهي تمثل الثقل الزراعي الأكبر في لبنان، كما أنها كانت الأكثر تعرضاً للأضرار الناتجة عن الحرب.

فالجنوب يشكل مركزاً لإنتاج الزيتون والتبغ والخضار، فيما يعد البقاع وبعلبك – الهرمل السلة الغذائية الأولى للبنان، حيث تنتج الحبوب والبطاطا والخضار والكرمة والفاكهة، إضافة إلى تربية المواشي.

ومن هنا، فإن أي استثمار في هذه المناطق ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي الوطني، وليس فقط على المزارعين المحليين.

رسائل سياسية خلف التمويل

يحمل التمويل الإيطالي أيضاً بعداً دبلوماسياً، إذ يأتي بعد توقيع مذكرة التعاون الزراعي بين بيروت وروما، بما يعكس انتقال العلاقات الثنائية من مرحلة الدعم الإنساني إلى الشراكة التنموية طويلة الأمد.

وأكد السفير الإيطالي لدى لبنان، فابريتسيو مارشيلي، أن بلاده ماضية في دعم لبنان، فيما شددت الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي على أن المبادرة تهدف إلى حماية سبل العيش وتعزيز صمود المجتمعات الريفية.

كما رأت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن الحفاظ على موسم زراعي واحد قد يكون الفارق بين استمرار آلاف الأسر في الإنتاج أو خروجها نهائياً من القطاع.

هل تكفي خمسة ملايين يورو؟

رغم أهمية المبادرة، يطرح خبراء القطاع الزراعي سؤالاً مشروعاً: هل تكفي خمسة ملايين يورو لمعالجة الأضرار الواسعة؟.

الواقع يشير إلى أن قيمة التمويل، على أهميتها، تبقى جزءاً محدوداً من الاحتياجات الفعلية، ما يعني أن نجاح المشروع سيكون مرهوناً بتحويله إلى منصة لاستقطاب برامج دعم إضافية، وتوسيع الشراكات مع الدول المانحة والمنظمات الدولية.

كما أن الأثر الحقيقي للمشروع لن يقاس بحجم الأموال المصروفة، بل بقدرته على إعادة المزارعين إلى أراضيهم، واستعادة الإنتاج، وخلق فرص عمل، وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

دور وزارة الزراعة… اختبار الإدارة والشفافية

أمام هذا الدعم الدولي، تواجه وزارة الزراعة تحدياً أساسياً يتمثل في حسن إدارة المشروع، وضمان وصول المساعدات إلى المزارعين الأكثر تضرراً، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو مناطقية.

وفي هذا الإطار، أكد وزير الزراعة الدكتور نزار هاني أن المشروع يمثل استثماراً استراتيجياً لإعادة تنشيط الإنتاج الزراعي، وتعزيز قدرة القطاع على الصمود، وترجمة عملية للشراكة اللبنانية – الإيطالية.

بداية فعلية لمسار التعافي

قد لا تكون خمسة ملايين يورو كافية لإعادة بناء كل ما دمرته الحرب، لكنها تشكل بداية فعلية لمسار التعافي إذا أُحسن استثمارها. فالزراعة اللبنانية لا تحتاج إلى مساعدات موسمية فحسب، بل إلى رؤية وطنية متكاملة تستند إلى الشراكات الدولية، وتطوير البنية التحتية، ودعم المزارعين، وفتح الأسواق، وتحويل الريف من منطقة منكوبة إلى محرك للنمو الاقتصادي.

ويبقى الرهان الحقيقي على أن تتحول هذه المبادرة إلى نموذج لتعاون دولي مستدام، يضع الزراعة في صدارة أولويات إعادة بناء الاقتصاد اللبناني، ويمنح المزارع اللبناني القدرة على الصمود والإنتاج والبقاء في أرضه.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات الاقتصادية والإنمائية


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا