mediapresslebanon

·

—

الرئيس ترامب و”إعلامه”.. بين تسويق الحرب وإدارة المفاوضات

الرئيس ترامب و”إعلامه”.. بين تسويق الحرب وإدارة المفاوضات

ميديا برس ليبانون

■ عبدالهادي محفوظ

#ميديا_برس_ليبانون |ما سرّ هذا الاهتمام الاستثنائي الذي يبديه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالإعلام؟ يكاد لا يمر يوم من دون أن يطلّ بسلسلة من التصريحات أو التعليقات عبر منصات إعلامية مختلفة، سواء تلك القريبة منه أو وسائل الإعلام الأخرى. تارةً يطلق مواقف صادمة، وطورًا يروّج لأفكار يريد من خلالها إرباك خصومه أو التشويش على حساباتهم السياسية.

ومع صعود الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، تحوّل ترامب إلى ما يشبه “الإعلامي الأول”، الأكثر غزارة في إنتاج ونشر المعلومات، سواء كانت دقيقة أو مبالغًا فيها. فهو يدرك أن إعلام اللحظة يسبق الجميع، ويتجاوز الحدود الجغرافية، ويصعب احتواؤه أو إخضاعه للرقابة والمساءلة، خصوصًا عندما تصدر الرسائل عن رئيس الدولة الأقوى في العالم، التي تمتلك مئات الشركات والمنصات القادرة على صناعة الرأي العام وتسويق السياسات وصنّاع القرار، بمن فيهم ساكن البيت الأبيض نفسه.

دائمًا ما يستخدم ترامب “المعلومة” أداةً لتسويق “الصفقة” التي يسعى إلى إبرامها مع إيران. ومن هنا تأتي المبالغة في بعض تصريحاته، في محاولة لرفع سقف التفاوض وتحسين شروطه، كما يفعل التاجر حين يعرض بضاعته بأعلى سعر ممكن قبل بدء المساومة، سعيًا إلى تحقيق أكبر مكسب أو، في الحد الأدنى، تجنب الخسارة.

ومن الأمثلة على ذلك تصريحاته المتكررة بأن البحرية الأميركية تؤمّن حرية الملاحة في مضيق هرمز بنسبة تصل أحيانًا إلى 70% وأحيانًا أخرى إلى 100%، فضلًا عن تأكيده أن غالبية الأميركيين تؤيد أي مواجهة عسكرية مع إيران، في حين تشير استطلاعات الرأي التي تجريها مراكز أبحاث أميركية إلى نتائج مغايرة، إذ لا يبدو مضيق هرمز بمنأى عن المخاطر، كما لا يظهر الرأي العام الأميركي متحمسًا لخوض حرب جديدة خارج الحدود.

قد يكون هذا الأسلوب الإعلامي مجديًا في تسويق صفقة تجارية، لكن مقاربة العلاقات الدولية بعقلية “الصفقة” تبدو أكثر تعقيدًا، لا سيما مع إيران، صاحبة الخبرة الطويلة في أسواق البازار والمقايضات السياسية، والتي تُعرف أيضًا بثقافة النفس الطويل في التفاوض. لذلك، فإن ما يريده ترامب من نتائج سريعة لا ينسجم مع إيقاع المفاوض الإيراني.

إيران تقول، عمليًا، “نعم للصفقة”، لكنها تلحقها دائمًا بـ”لكن”. فهي تقبل مبدأ التفاوض على العناوين الكبرى، إلا أنها تعتبر أن جوهر الاتفاق يكمن في التفاصيل. وهذا ما يظهر بوضوح في “مذكرة التفاهم” التي وُقّعت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والتي لا تتجاوز كونها إطارًا عامًا للمبادئ، فيما يبقى التحدي الحقيقي في التوصل إلى اتفاق نهائي حول التفاصيل المعقدة.

ولهذا، فإن الخلاف القائم اليوم يدور حول تلك التفاصيل، بينما تبقى “مذكرة التفاهم” المرجعية التي يعود إليها الطرفان، مهما ارتفع منسوب الخطاب السياسي. وحتى تصريحات ترامب التي يؤكد فيها أنه “لا يريد التعامل مع الإيرانيين”، يمكن قراءتها في إطار الرسائل الإعلامية والضغط التفاوضي، أكثر منها إعلانًا لقطيعة نهائية، إذ يستطيع في أي لحظة تجاوزها إذا اقتضت المصلحة السياسية ذلك.

أما إذا كان موقف “عدم التعامل” يعكس سياسة فعلية، فإن البديل سيكون الذهاب إلى حرب برية ضد إيران، وهي حرب لا تبدو نتائجها مضمونة، وقد تتحول إلى استنزاف شبيه بما واجهته الولايات المتحدة في فيتنام، التي انتهت بخسائر سياسية وعسكرية كبيرة، وأثارت معارضة واسعة داخل المجتمع الأميركي. ومن الطبيعي أن يسعى ترامب إلى تجنب تكرار “كأس نيكسون”.

وتبقى مخارج الأزمة متاحة عبر قنوات دبلوماسية متعددة، أبرزها الدور الذي يؤديه نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي يميل إلى تغليب الحلول الدبلوماسية على الخيار العسكري، إلى جانب الوسطاء الناشطين، وفي مقدمهم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، إضافة إلى سلطنة عُمان، الشريك الأساسي في أمن مضيق هرمز.

وفي المقابل، يبدو المفاوض الإيراني مستعدًا للتجاوب مع أي مسعى يهدف إلى تفعيل “مذكرة التفاهم” والبناء عليها، عبر البحث عن قواسم مشتركة، حتى لو استدعى ذلك تقديم تنازلات متبادلة أو إعادة تفسير بعض البنود الخلافية، سواء في ما يتعلق بأمن مضيق هرمز، أو رفع العقوبات، أو استعادة الأصول والديون، أو مستويات تخصيب اليورانيوم، أو الحصار البحري، أو دوائر النفوذ الإقليمي.

■ رئيس المجلس الوطني للإعلام

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون |قسم التحليل والآراء

اترك تعليقًا