هل لعبة كرة القدم هي أفيون الشعوب؟

قراءة فكرية في ظاهرة الهوس الكروي العالمي

اليمن _ ميديا برس ليبانون
بقلم: أ. د/ عبدالعزيز صالح بنِ حَبتُو
#ميديا_برس_ليبانون |تابعتُ كغيري عدداً لا بأسَ بهِ من مُبارياتِ كُرةِ القدمِ بينَ عددٍ من الفرقِ العربيَّةِ والعالميَّةِ والأجنبيَّةِ، وكانتْ مُتابعتي عاديَّةً، ولم تصلْ في المُتابعةِ والتذوُّقِ حدَّ الشَّغفِ والإدمانِ بهذهِ اللُّعبةِ، مع أهميَّتِها العالميَّةِ التي يتابعُ فنَّها الكرويَّ، وألوانَ فرقِها الرياضيَّةِ، ورموزَها مئاتُ الملايينِ من البشرِ المُعجبينَ، وربَّما قد يتجاوزُ هذا العددُ من المُتابعينَ المُدمنينَ الشَّغوفينَ جدَّاً جدَّاً جدَّاً لمُبارياتِها.

انتهى مهرجانُ لُعبةِ كُرةِ القدمِ العالميَّةِ، كأسُ العالمِ في موسمِهِ 2026م، وحصدتْ مملكةُ إسبانيا كأسَ العالمِ لهذا الموسمِ، فألفُ مُباركٍ للشَّعبِ الإسبانيِّ صديقِ العربِ، ونصيرِ الشَّعبِ الفلسطينيِّ هذهِ البُطولةَ، ومُباركٌ للملكِ الإسبانيِّ وأسرتِهِ الذينَ حضروا إلى ملعبِ “ميتلايف” الذي أقيمتْ فيهِ المُباراةُ النهائيَّةُ لكأسِ العالمِ 2026م، الواقعِ في مدينةِ “إيست راذرفورد” بولايةِ نيوجيرسي الأمريكيَّة؛ لمُشاركةِ فريقِ بلادِهم الرياضيِّ المُنتصرِ، وتسليمِ الكأسِ الذَّهبيِّ الأغلى قيمةً ماديَّةً ومعنويَّةً كرويَّةً في العالمِ.

وخسرتِ الأرجنتين المُباراةَ النهائيَّةَ، وكما يقولُ المُصطلحُ الرياضيُّ “Hard luck” بهذهِ الخسارةِ أمامَ فريقِ “الماتادور” الإسبانيِّ، وتعني هذهِ الكلمةُ في اللغةِ الإسبانيَّةِ الفريقَ المُقاتلَ، وهو الشخصُ الذي يُقاتلُ الثورَ الإسبانيَّ في اللُّعبةِ الإسبانيَّةِ الشعبيَّةِ الشَّهيرة.

بعدَ هذا المُدخلِ المُستحقِّ دعونا نلجْ إلى تاريخِ تطوُّرِ هذهِ اللعبةِ المُثيرةِ جدَّاً، إذ يعودُ تاريخُ هذهِ اللعبةِ إلى أزيدَ من 2500 سنةٍ قبلَ الميلادِ، حيثُ مارسها قُدماءُ الشَّعبِ الصِّينيِّ، وكانوا يُقدِّمونَ الولائمَ والجوائزَ والهدايا للفريقِ الفائزِ، وبالمُقابلِ يجلدونَ الفريقَ المُنهزمَ، وعرفها كذلكَ اليونانيونَ واليابانيونَ في 600 سنةٍ قبلَ الميلادِ.

وعرفها ولعبها الشَّعبُ المصريُّ الشَّقيقُ قبلَ الميلادِ بـ300 سنةٍ، إلا أنَّ اللعبةَ في شكلِها المُمارسِ اليومَ ظهرتْ لدى الشَّعبِ الإنجليزيِّ، ففي عامِ 1016م، وخلالَ احتفالاتِهم بعيدِ جلاءِ آخرِ جنديٍّ دانماركيٍّ من أرضِ إنجلترا (بريطانيا العُظمى)، مثَّلَ الجنودُ الإنجليزُ بجُثثِ مَن تبقَّى من المُحتلّينَ الدانماركيينَ، وكانوا يلهونَ ويلعبونَ برؤوسِ الدنماركيينَ ويتناقلونَها بينَ أرجلهم ككرةِ قدمٍ، ولكنَّهم بعدَ حينٍ منعوا ذلكَ منعاً باتاً بمرسومٍ ملكيٍّ إنجليزيٍّ صارمٍ لوحشيَّةِ المشاهدِ الناتجةِ عن ذلكَ العبثِ غيرِ الأخلاقيِّ، إلى أن تطوَّرتْ صناعةُ كُرةِ القدمِ ولعبوا بها.

إنَّهُ تاريخٌ مُتعرِّجٌ وطويلٌ ومُتوحِّشٌ سارتْ فيهِ هذهِ اللعبةُ التي أصبحتِ اليومَ من أحبِّ وأجملِ وأعظمِ اللُّعبِ في العالمِ أجمعَ، ولها هذا الحشدُ الإنسانيُّ الواسعُ من الأنصارِ والمُشجِّعينَ والمُغرمينَ حدَّ الهَوَسِ والجُنونِ في جميعِ قاراتِ العالمِ.

مَن يتابعْ فصولَ اللعبةِ على البساطِ الأخضرِ الساحرِ، ومنذُ انطلاقةِ صافَّرةِ الحكمِ الأولى، مروراً بسيرِ اللعبةِ وفصولِ تحقيقِ الأهدافِ أو ضياعِها، ونجاحِ هذا الفريقِ أو ذاك، يُشاهدِ المشهدَ الرياضيَّ الكرويَّ على سخونتِهِ، وانبهارِ مُشجِّعي الفريقينِ الكرويينِ، ومُشاهدةِ تشنُّجِ وجُنونِ الجماهيرِ الرياضيَّةِ.

ويتوقفُ عندَ هذهِ الظاهرةِ المُشتغلونَ بعلمِ النفسِ وعُلماءُ الاجتماعِ وغيرُهم من المُهتمِّينَ بهذا الشَّأنِ الحيويِّ المُهم.

للتذكيرِ فقط، وليتخيَّلِ القارئُ اللبيبُ المشاهدَ الحماسيَّةَ والهستيريَّةَ للمُشجِّعينَ من كلا الجنسينِ، ومن مختلفِ الأعمارِ، بدءاً من سنِّ الطفولةِ والتدرُّجِ في مُختلفِ المراحلِ العمريَّةِ وصولاً إلى الكُهُولِ والشُّيوخِ في سنِّ السَّبعينَ وما فوق، جميعُهم دونَ استثناءٍ تجدُهم يصرخونَ ويتشنَّجونَ ويبكونَ بدموعٍ غزيرةٍ، وكلٌّ بحسبِ المشهدِ والحالةِ التي يعيشُها والفريقِ الرياضيِّ الذي يُناصرُه.

تصوَّروا بأنَّ العديدَ من الأسرِ والعائلاتِ حولَ العالمِ ترصدُ ميزانيَّاتٍ ومبالغَ ماليَّةً كبيرةً خاصَّةً للمُشاركةِ في مثلِ هذهِ المُناسبةِ أو تلكَ، وتكونُ تلكَ المبالغُ على حسابِ مُتطلباتٍ مُهمَّةٍ للأسرةِ والعائلةِ، وتُدفعُ تلكَ الأموالُ بطيبِ خاطرٍ ودونَ أيِّ شعورٍ بالندمِ على ضياعِها.

وتخيَّلوا معي بأنَّ هناكَ أفراداً وأسراً وجماعاتٍ يسافرونَ من أقصى شرقِ الكُرةِ الأرضيَّةِ إلى أقصى غربِها، والعكسَ صحيحٌ، ويقطعونَ آلافَ الكيلومتراتِ بواسطةِ وسائلِ النقلِ الجويَّةِ؛ لكي يُشاركوا في مراسمِ هذهِ اللعبةِ أو تلكَ.

كم يا تُرى يصرفونَ على تلكَ الرحلاتِ التي لا تقلُّ عن أسبوعٍ أو أسبوعينِ وأحياناً أكثرَ؟ وكم يصرفونَ من الوقتِ والجهدِ والمالِ والأعصابِ مع مُتطلباتِ الرِّحلةِ وعنائها؟

والسُّؤالُ المركزيُّ الذي يُوجَّهُ إلى هؤلاءِ العُشَّاقِ الشَّغوفينَ بلعبةِ كرةِ القدمِ السَّاحرةِ: ما هو الهدفُ النهائيُّ من هذا النَّكدِ والبكاءِ والألمِ والخسائرِ؟ وما هي الغايةُ النهائيَّةُ من ذلكَ الهوسِ الذي لا يستطيعونَ البتةَ الإجابةَ عنهُ؟.
كما أظنُّ أنا كاتبُ هذهِ السُّطورِ، وليسَ كلُّ الظنِّ إثماً.

ومن معلوماتٍ سمعناها ولمسناها عن قربٍ، بأنَّ هناكَ عائلاتٍ وأُسراً مُحترمةً تنقسمُ إلى فريقينِ، ويبدأُ التشجيعُ والزعيقُ واختلاطُ الحابلِ بالنابلِ بينَ أفرادِ الأسرةِ الواحدةِ، وتنقسمُ المشاعرُ والأحاسيسُ والمواقفُ، ويصلُ الحزنُ بالجهةِ التي يخسرُ فريقُها حدَّ الإجهاشِ بالبكاءِ، ويسودُ الحزنُ والألمُ والضِّيقُ لأيامٍ وليالٍ.

أليستْ مثلُ تلكَ الحالاتِ التي تتحوَّلُ إلى ظاهرةٍ اجتماعيَّةٍ وإنسانيَّةٍ مُتكرِّرةٍ تستحقُّ من عُلماءِ النفسِ بالتحديدِ التبصُّرَ والتفكُّرَ والتأمُّلَ؟.

إنَّ لعبةَ كرةِ القدمِ الحديثةَ الجذَّابةَ التي بدأتْ في إنجلترا قبلَ ألفِ عامٍ تقريباً، وسارتْ في مراحلَ تاريخيَّةٍ طويلةٍ، أصبحتْ اليومَ ظاهرةً عالميَّةً تستحقُّ الدراسةَ والبحثَ في تأثيرها على الإنسانِ والمجتمعِ.

تنتابني الحيرةُ والاستغرابُ حدَّ التردُّدِ وعدمِ الثقةِ في ما سأقولُهُ تجاهَ ظاهرةِ التعلُّقِ الإنسانيِّ بهذهِ اللعبةِ الجذَّابةِ الساحرةِ التي تدفعُ وتصرفُ عليها الحكوماتُ حولَ العالمِ، والمنظماتُ الدوليَّةُ، والمجتمعاتُ قاطبةً، ملياراتِ الدولاراتِ واليوروهاًت وغيرها، لكي تتعايشَ مع شعوبِها وترضيَ رغباتِها الكرويَّةَ.

وهي فكرةٌ جهنميَّةٌ خطيرةٌ زرعها مُفكِّرو النظامِ الرأسماليِّ الاحتكاريِّ العالميِّ من خلالِ “تسليعِ” كلِّ شيءٍ، بما في ذلكَ الإبداعُ الفنيُّ الرياضيُّ.

وفي هذهِ اللحظةِ تذكَّرتُ مقولةَ الفيلسوفِ والمُفكِّرِ الألمانيِّ كارل ماركس بأنَّ “الدِّينَ أفيونُ الشُّعوبِ”، لكنَّهُ هنا قد أخطأ الطريقَ إلى الهدفِ، وأيقنتُ – من خلالِ المُشاهدةِ المُجرَّدةِ – بأنَّ لعبةَ كرةِ القدمِ هي أفيونُ الشُّعوبِ، واللهُ أعلمُ منَّا جميعاً.
{وفوقَ كلِّ ذي علمٍ عليم}

■ أ. د/ عبدالعزيز صالح بنِ حبتو
■ عضوُ المجلسِ السياسيِّ الأعلى في الجمهوريةِ اليمنية – صنعاء
■ نائبُ رئيسِ المؤتمرِ الشعبيِّ العام

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم الرأي والتحليل
مقال فكري تحليلي يعكس وجهة نظر كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن موقف الموقع.


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا