“فاجا”… أكثر من صنف بطاطا جديد! هل يبدأ لبنان معركة الإنقاذ الزراعي من حقول سرعين؟

“فاجا”… أكثر من صنف بطاطا جديد! هل يبدأ لبنان معركة الإنقاذ الزراعي من حقول سرعين؟

ميديا برس ليبانون
#ميديا_برس_ليبانون |في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والمالية، ويواجه المزارع اللبناني ارتفاعًا غير مسبوق في كلفة الإنتاج وتقلبات الأسواق وصعوبة التصدير، برز من البقاع حدث زراعي يتجاوز الإعلان عن صنف جديد من البطاطا، ليطرح سؤالًا أكبر: هل يشكل الاستثمار في البحث العلمي والزراعة الحديثة المدخل الحقيقي لإنقاذ القطاع الزراعي وإعادة بناء الأمن الغذائي والاقتصاد الريفي في لبنان؟.

من بلدة سرعين، وبرعاية وزير الزراعة الدكتور نزار هاني، أُطلق رسميًا صنف البطاطا الجديد “فاجا” (Vaga)، بعد ثلاث سنوات من التجارب العلمية، في خطوة تحمل أبعادًا زراعية واقتصادية ومالية تتقاطع مع رؤية الدولة لتحديث الإنتاج وربطه بالأسواق والصناعات الغذائية.

ثلاث سنوات من الاختبارات… والنتيجة صنف يراهن عليه القطاع الزراعي

شهد اليوم الحقلي الذي أقيم بدعوة من النائب ميشال ضاهر مشاركة واسعة من المسؤولين والباحثين الزراعيين ومزارعي البطاطا في البقاع وعكار، حيث جرى الكشف عن نتائج برنامج بحثي استمر ثلاث سنوات، نفذته شركة “ماستر تشيبس” بإشراف مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية التابعة لوزارة الزراعة.

وخلال الجولة الميدانية في أحد الحقول، اطلع المشاركون على عملية قلع المحصول، فيما عرض الخبراء الخصائص التقنية لصنف “فاجا”، الذي يتميز بإنتاجية مرتفعة، وجودة عالية، ومقاومة متقدمة للأمراض، بما يساهم في خفض استخدام المبيدات والأسمدة وتقليل كلفة الإنتاج ورفع جودة المحصول.

البعد الاقتصادي… هل ينجح “فاجا” في تخفيف خسائر المزارعين؟

لا تبدو أهمية الصنف الجديد محصورة بالجانب الزراعي، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي في ظل الضغوط التي يعيشها المزارعون نتيجة ارتفاع أسعار البذور والأسمدة والمحروقات وكلفة اليد العاملة.

ويؤكد متخصصون أن أي صنف قادر على زيادة الإنتاج وخفض كلفة الدونم وتحسين جودة المحصول ينعكس مباشرة على ربحية المزارع، كما يعزز فرص المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية، ويخفف من فاتورة الإنتاج التي استنزفت القطاع خلال السنوات الماضية.

ويطرح هذا التطور أيضًا فرصة لتعزيز الصناعات الغذائية اللبنانية، ولا سيما صناعة البطاطا المصنعة، بما يفتح المجال أمام زيادة القيمة المضافة للإنتاج الزراعي بدل الاكتفاء بتسويق المادة الخام.

الزراعة التعاقدية… الحل الذي يعيد الاستقرار للأسواق؟

النائب ميشال ضاهر اعتبر أن مستقبل زراعة البطاطا يرتبط بالانتقال إلى أصناف حديثة تلبي احتياجات الأسواق والصناعة الغذائية، مشددًا على أن الزراعة التعاقدية تمثل أحد أبرز الحلول لضمان تسويق الإنتاج وتأمين دخل مستقر للمزارعين.

ويعكس هذا الطرح تحولًا في التفكير الزراعي، إذ لم تعد المشكلة مرتبطة بالإنتاج فقط، بل بكيفية تسويق المحاصيل وربطها بعقود مسبقة مع المصانع والأسواق، بما يحد من الخسائر الناتجة عن فائض الإنتاج أو انهيار الأسعار.

رسالة سياسية واقتصادية… شراكة بين الدولة والقطاع الخاص

من جهته، عرض مدير عام الزراعة المهندس لويس لحود خطة الوزارة لتطوير إنتاج البطاطا ورفع جودته، مشيدًا بالمبادرات التي تعزز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

أما وزير الزراعة الدكتور نزار هاني، فرأى أن إطلاق “فاجا” يمثل نموذجًا ناجحًا للتعاون بين الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات البحث العلمي، معتبرًا أن الاستثمار في الابتكار الزراعي أصبح خيارًا استراتيجيًا وليس ترفًا، خصوصًا في ظل التغيرات المناخية والأزمات الاقتصادية التي تهدد الأمن الغذائي.

وأكد أن تطوير القطاع الزراعي يمر عبر اعتماد أصناف أكثر إنتاجية ومقاومة للأمراض، وربط الإنتاج بحاجات الأسواق والصناعات الغذائية، بما يحقق قيمة مضافة للمزارعين ويزيد مساهمة الزراعة في الاقتصاد الوطني.

الأمن الغذائي… معركة لا تقل أهمية عن الإصلاح المالي

يرى مراقبون أن نجاح أي مشروع لتطوير الأصناف الزراعية يبقى مرتبطًا بوجود سياسات متكاملة تشمل التمويل الزراعي، وتأمين مستلزمات الإنتاج، وفتح الأسواق الخارجية، وحماية الإنتاج المحلي، إضافة إلى دعم البحث العلمي وتوسيع برامج الإرشاد الزراعي.

وفي ظل الأزمات المالية المتلاحقة، تصبح كل مبادرة تخفض كلفة الإنتاج وتعزز الإنتاجية خطوة في اتجاه تعزيز الأمن الغذائي وتقليص الاعتماد على الاستيراد، وهو ما يمنح القطاع الزراعي دورًا محوريًا في أي خطة للتعافي الاقتصادي.

اختبار عملي لقدرة لبنان

إطلاق صنف البطاطا “فاجا” ليس مجرد إنجاز تقني في أحد حقول البقاع، بل اختبار عملي لقدرة لبنان على تحويل البحث العلمي إلى قوة اقتصادية منتجة. فبين تحديات التمويل، وتقلبات الأسواق، وتغير المناخ، تبدو الزراعة الحديثة والشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمزارعين فرصة حقيقية لإعادة رسم مستقبل القطاع الزراعي، وتحويله من قطاع يواجه الأزمات إلى رافعة للنمو الاقتصادي والأمن الغذائي، شرط أن تُستكمل هذه المبادرات بسياسات وطنية مستدامة تضمن للمزارع الاستقرار وللإنتاج اللبناني القدرة على المنافسة.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون |قسم التحقيقات الاقتصادية والزراعية


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا