حروب استباقية وأردوغان يقرّب المسافات بين واشنطن وطهران

ميديا برس ليبانون
■ عبد الهادي محفوظ
#ميديا_برس_ليبانون |ترتكز القاعدة الإيرانية على أن “التعامل مع مضيق هرمز في الحرب يختلف عنه في حالة السلام”. ويعني ذلك أن طهران تتحكم بالمضيق عسكريًا، ولا تسمح بعبور ناقلات النفط وسفن البضائع إلا بإذن مسبق من الحرس الثوري، حتى لا تتحول حرية الملاحة إلى غطاء لتهريب السلاح إلى الداخل الإيراني أو لعبور البوارج الأميركية والسفن العسكرية بما يهدد الجزر الإيرانية، ولا سيما خرج وقشم اللتين تُعدّان، إلى جانب لارك، الشريان الاقتصادي والصناعي الرئيسي لإيران.

ومن هذا المنطلق يمكن تفسير الحصار البحري الأميركي للمرافئ والجزر الإيرانية، وما يرافقه من ضغوط اقتصادية وعسكرية ومحاولات لعزل إيران، في مقابل اعتماد الحرس الثوري استراتيجية تقوم على شبكة من الحصون والمخازن تحت الأرض في مضيق هرمز والجزر المحيطة به.

وفي حسابات الحرس الثوري، فإن المقاربة الأميركية لفتح مضيق هرمز بالقوة لن تحقق أهدافها، بعدما أخفقت الضغوط العسكرية في تغيير سلوك النظام، أو تحريك الداخل الإيراني، أو تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، أو دفع طهران إلى التفاوض من موقع ضعف. لذلك يراقب الحرس الثوري ما إذا كانت الولايات المتحدة تستعد لحرب برية ضد إيران، خاصة أن هذا الخيار كان يحظى بتأييد عدد من صقور الإدارة الأميركية.

ويشير الكاتب إلى أن السيناتور الأميركي ليندسي غراهام كان من أبرز الداعين إلى هذا التوجه، إذ كان يتبنى تصورًا مشتركًا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يقوم على إقامة تحالف بين إقليم كردستان وإسرائيل وتحويل أربيل إلى قاعدة لتحريك أكراد إيران ضد النظام. ويرى أن هذا يفسر إقامة نصب تذكاري لغراهام في أربيل، باعتباره كان يدعو إلى إسقاط النظام الإيراني واحتلال طهران وتدمير الحرس الثوري وما تسميه واشنطن “أذرع إيران”.

وفي مقابل الثقة الإيرانية بقدرتها على حماية مضيق هرمز، يلفت الكاتب، استنادًا إلى ما ينقله عن “مركز بابل للدراسات”، إلى أن للحرس الثوري قواعد خارج الحدود تشمل جرف الصخر، معسكر أشرف، سنجار، محوري القائم وحمدين، والسماوة في العراق. وقد أصبحت هذه المواقع، ولا سيما معبر الشلامجة، تحت رقابة استخباراتية أميركية مكثفة، وتتعرض لعمليات استهداف تهدف إلى قطع خطوط الإمداد، بالتوازي مع الوجود الأميركي في غرب العراق عبر قاعدتي عين الأسد وأبو الوليد.

وبحسب المركز نفسه، فإن الهدف الأميركي يتمثل في إقامة حزام أمني جوي يربط الأردن وسوريا والعراق والسعودية والكويت، كما يتحدث عن استخدام واشنطن مجموعات مثل جبهة المقاتلين الشعبيين وجيش العدل لاستهداف الطريق الممتد بين زهدان وخاش وصولًا إلى السواحل الإيرانية.

ويضيف الكاتب أن ضباطًا عراقيين شاركوا في الحرب العراقية الإيرانية يعملون اليوم مستشارين للقوات الأميركية للاستفادة من خبراتهم، إلى جانب إشراك منظمات كردية في عمليات داخل إيران، أبرزها كوملة والقصبة والحزب الديمقراطي. كما يراهن الأميركيون، وفق مصادر أوردها الكاتب، على مجاهدي خلق بوصفها قوة معارضة تمتلك قدرات عسكرية ولوجستية، إلا أن الانقسامات العميقة داخل المعارضة الإيرانية، وانعدام الثقة بين مجاهدي خلق والمنظمات الكردية، تبقى عقبة رئيسية أمام أي مشروع من هذا النوع.

ويرى الكاتب أن العمليات الاستباقية التي تنفذها المؤسسة العسكرية الإيرانية، والتي قد تمتد مستقبلًا إلى استهداف خطوط أنابيب النفط البرية، تهدف إلى منع اندلاع حرب برية شاملة أو أي اختراق للجغرافيا الإيرانية. كما يربط هذه التحركات بالعودة إلى مذكرة التفاهم والبحث في مختلف الملفات، بما فيها حرية الملاحة في حالة السلام.

ويعتقد أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستخدم التصعيد العسكري والاقتصادي وسيلة للعودة إلى طاولة المفاوضات وفق رؤية تقوم على إعادة تحديد حدود النفوذ الإيراني في المنطقة. ويعتبر أن واشنطن لا تعارض وجود نفوذ إيراني إذا بقي ضمن مظلة التفاهم معها، مشيرًا إلى أن ترامب لم يؤيد خلال لقائه نتنياهو فكرة إسقاط النظام الإيراني، بل حصر نقطة التوافق الأساسية بعدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا.

ويخلص الكاتب إلى أن هناك تباينًا واضحًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن مستقبل المنطقة. فواشنطن، بحسب رأيه، تبحث عن الاستقرار، بينما ترى أن مشاريع التوسع الإسرائيلية في لبنان وسوريا وغزة تعرقل هذا الهدف. ومن هنا جاء اختيار الرئيس الأميركي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان شريكًا قادرًا على المساعدة في ملفات سوريا وغزة ولبنان والخليج، وكذلك في إدارة العلاقة مع إيران، خلافًا لنهج نتنياهو.

ويعتبر أن هذا الدور يمنح تركيا موقعًا مؤثرًا في ترتيبات المنطقة بعيدًا عن الحسابات الإسرائيلية، ويتيح لها الإسهام في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، خاصة أن أنقرة لا ترغب في تحريك الملف الكردي داخل إيران لما قد يحمله ذلك من تداعيات على أمنها القومي، في حين ترى مصلحة في إبداء إيران قدرًا من المرونة تجاه الولايات المتحدة، في ظل التقاطعات التركية الإيرانية القائمة.

ويختم الكاتب بالإشارة إلى أن هذه المقاربة تبدو حاضرة أيضًا في تفكير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع حضور بصمات للمبعوث الأميركي إلى المنطقة، السفير توم برّاك، في رسم ملامح هذه الترتيبات الإقليمية.

■رئيس المجلس الوطني للإعلام

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون |قسم التحليل والآراء


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا