بين النفط العالمي وغلاء البنزين… من يصنع أزمة المحروقات في لبنان؟

تحقيق استقصائي – خاص ميديا برس ليبانون


#ميديا_برس_ليبانون |في لبنان، لا تبدو أزمة المحروقات مجرد انعكاس لتقلبات الأسواق العالمية، بل تحولت إلى نموذج متكرر لأزمة تتجدد كلما اشتدت الضغوط الاقتصادية أو الأمنية. فمع كل ارتفاع في الأسعار، تعود مشاهد الطوابير، وتختفي المادة من بعض المناطق، وتنتظر البواخر في عرض البحر، فيما تتبادل الشركات والنقابات والوزارة المسؤوليات، ويبقى المواطن الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من المصالح المتشابكة.

ورغم أن أسعار النفط العالمية شهدت خلال الأشهر الماضية موجات من التراجع مقارنة بذروتها، فإن أسعار المحروقات في لبنان بقيت مرتفعة، ولم يلمس المواطن انخفاضاً يتناسب مع حركة الأسواق الدولية. هذه المفارقة أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة: هل الأزمة نتيجة عوامل اقتصادية بحتة؟ أم أن خللاً بنيوياً في السوق يسمح بتحويل كل ظرف استثنائي إلى فرصة لتحقيق أرباح إضافية على حساب اللبنانيين؟.

أزمة تتجاوز سعر البرميل

تؤكد وزارة الطاقة أن جدول الأسعار يُحتسب وفق أسعار المشتقات النفطية المكررة، وكلفة الشحن والتأمين، وسعر صرف الدولار، والضرائب والرسوم المحلية، وليس وفق سعر النفط الخام وحده. وهذا تفسير اقتصادي صحيح من حيث المبدأ.

لكن السؤال الذي يطرحه الخبراء لا يتعلق بآلية التسعير فقط، بل بسرعة انعكاس المتغيرات العالمية على السوق المحلية. فحين ترتفع الأسعار العالمية، ينعكس ذلك سريعاً على المستهلك اللبناني، بينما يتأخر الانخفاض أو يكون محدوداً عند تراجعها، ما يثير علامات استفهام حول آليات التسعير والمنافسة والرقابة.

حلقات مترابطة… من يصنع الأزمة؟

يكشف تتبع حركة السوق أن الأزمة لا تقف عند حدود شركة أو محطة أو وزارة، بل تمتد عبر سلسلة مترابطة تبدأ بالاستيراد، مروراً بالتخزين والنقل والتوزيع، وصولاً إلى المحطات والمستهلك.

ففي كل محطة من هذه السلسلة تظهر مؤشرات تستدعي التدقيق:
– بواخر تبقى راسية في عرض البحر قبل السماح لها بالتفريغ.
– تفاوت في توافر المحروقات بين المناطق والمحطات.
– شكاوى متكررة من تخزين المازوت والبنزين.
– إقفال بعض المحطات بحجة نفاد الكميات.
– عودة الطوابير مع كل أزمة.
– ارتفاعات متسارعة للأسعار مقابل بطء واضح في انخفاضها.

كل عنصر من هذه العناصر قد يكون له تفسير تقني أو تجاري مشروع، لكن اجتماعها بصورة متكررة يفرض على الجهات الرقابية والقضائية التحقق مما إذا كانت بعض الممارسات تساهم في تقليص العرض أو تعطيل المنافسة أو تحقيق أرباح استثنائية.

سوق شديدة التركّز… والمنافسة تحت المجهر

يسيطر عدد محدود من الشركات على القسم الأكبر من استيراد المشتقات النفطية، وهو ما يجعل السوق اللبنانية من أكثر الأسواق تركّزاً.

وهذا الواقع لا يعني تلقائياً وجود احتكار أو “كارتيل” بالمعنى القانوني، إذ إن إثبات ذلك يحتاج إلى تحقيقات رسمية وأدلة قضائية تثبت وجود اتفاقات مخالفة لقوانين المنافسة. إلا أن طبيعة السوق نفسها تستوجب رقابة أكثر صرامة وشفافية أكبر، خصوصاً عندما تتكرر الأزمات بالنمط نفسه.

البواخر… عقدة لوجستية أم ورقة ضغط؟

تشير معطيات القطاع إلى وجود بواخر محملة بالمشتقات النفطية تنتظر أحياناً أياماً قبل تفريغ حمولتها.
وقد يعود ذلك إلى محدودية القدرة الاستيعابية للمنشآت النفطية، أو إلى تنظيم أدوار التفريغ، أو اعتبارات مالية ولوجستية. لكن إذا ثبت أن أي تأخير متعمد يهدف إلى تقليص الكميات المعروضة في السوق للاستفادة من ارتفاع الأسعار، فإن الأمر يتجاوز الإدارة التجارية ليصبح شأناً رقابياً وقضائياً يستوجب المحاسبة.

التخزين… بين الحاجة والاحتكار

يؤكد أصحاب المحطات أن الاحتفاظ بمخزون محدود ضرورة لضمان الاستمرارية وعدم الانقطاع.
في المقابل، تتحدث شكاوى متكررة عن تخزين كميات كبيرة من المحروقات بانتظار تعديل الأسعار.
وهنا تبرز مسؤولية أجهزة الرقابة في التمييز بين التخزين الطبيعي والإدارة المشروعة للمخزون، وبين الامتناع المتعمد عن البيع إذا ثبت وقوعه، لأن الفارق بينهما يرسم الحدود الفاصلة بين الممارسة التجارية القانونية والاحتكار.

نقابات القطاع… تبريرات وتحذيرات

في حديثهما لـ”ميديا برس ليبانون”، ربط نقيب موزعي المحروقات فادي أبو شقرا ورئيس نقابة أصحاب المحطات الدكتور جورج براكس الأزمة بارتفاع الكلفة العالمية، ورسوم الدولة، وتداعيات التوترات الإقليمية، مع إقرارهما بوجود ممارسات خاطئة لدى بعض المحطات أو التجار.

غير أن عدداً من أصحاب المحطات في البقاع رفضوا هذه التفسيرات، معتبرين أن تبادل الاتهامات بين الشركات والنقابات والوزارة لا يفسر استمرار الأزمة، بل يعكس غياب جهة رقابية قادرة على كشف الحقيقة أمام الرأي العام.

المواطن… الضحية الدائمة

لا تنتهي أزمة المحروقات عند مضخة الوقود، بل تمتد إلى رغيف الخبز، وكلفة النقل، وأسعار الغذاء، والإنتاج الزراعي والصناعي، والاشتراكات الكهربائية، وإيجارات المنازل.

وقد أظهرت الجولات الميدانية أن كثيراً من الموظفين باتوا يختصرون تنقلاتهم أو يمضون أيام العمل بعيداً عن منازلهم لتخفيف كلفة الوقود، فيما يؤكد سائقو الشاحنات والآليات الثقيلة أن المازوت أصبح يلتهم جزءاً كبيراً من مداخيلهم، الأمر الذي ينعكس تلقائياً على أسعار السلع في الأسواق.

أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة محروقات

ما يكشفه هذا التحقيق ليس وجود إدانة قانونية لأي جهة، بل وجود فجوة كبيرة في الشفافية والرقابة وإدارة السوق.

فاللبنانيون لا يطالبون فقط بخفض الأسعار، بل بإجابات واضحة عن أسئلة ما زالت بلا رد: كم تبلغ المخزونات الفعلية؟ لماذا تتكرر الطوابير؟ من يراقب حركة البواخر؟ ومن يضمن عدم استغلال الأزمات لتحقيق أرباح استثنائية؟.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون |قسم التحقيقات _ الاقتصادية


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا