ما بعد الدور الأمني لليونيفيل؟ الجنوب أمام معادلة جديدة: الأمن وحده لا يكفي

من الفرديس إلى العرقوب.. هل تتحول الشراكة بين مؤسسة عامل والكتيبة الهندية إلى نموذج لدور أممي أكثر التصاقاً بحاجات الناس؟

جنوب لبنان: خاص |ميديا برس ليبانون

#ميديا_برس_ليبانون |في الجنوب اللبناني، لم تعد معادلة الاستقرار تُقاس فقط بعدد الدوريات العسكرية أو نقاط الانتشار، بل باتت تُقاس أيضاً بقدرة سكان القرى الحدودية على الوصول إلى الطبيب والمدرسة والعمل والخدمات الأساسية.

ومن هنا تكتسب زيارة وفد الكتيبة الهندية العاملة ضمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» إلى مؤسسة عامل الدولية، ولقاؤه رئيسها الدكتور كامل مهنا، دلالة تتجاوز الإطار البروتوكولي. فاللقاء فتح عملياً نقاشاً حول سؤال أكثر عمقاً: هل يستطيع الدور الدولي في الجنوب أن يبقى محصوراً في الأمن، فيما تتراكم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي تهدد صمود السكان؟.

القضية ليست في تحويل «اليونيفيل» إلى منظمة إنسانية، فهي ليست كذلك أصلاً، وإنما في تطوير آليات التعاون بينها وبين المؤسسات المحلية القادرة على تحديد الاحتياجات الفعلية للسكان وتحويل الإمكانات المتوافرة إلى مشاريع ملموسة.

الجنوب لا يحتاج إلى الأمن وحده

منذ انتشار اليونيفيل في جنوب لبنان عام 1978، ارتبط اسمها بصورة أساسية بحفظ السلام ومراقبة الوضع الأمني ودعم الاستقرار.

لكن الجنوب الذي تغيّر ديموغرافياً واقتصادياً واجتماعياً بفعل عقود من الحروب والاحتلال والتهجير والأزمات، بات يحتاج إلى مقاربة أوسع من الأمن التقليدي.

فقرية حدودية تفتقر إلى الخدمات الصحية، وعائلة عاجزة عن تأمين كلفة العلاج، وشابة لا تجد فرصة عمل، وشاب يضطر إلى الهجرة، كلها عوامل يمكن أن تتحول إلى مصادر إضافية للهشاشة الاجتماعية.

وهنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات المحلية، ليس بديلاً عن الدولة أو عن اليونيفيل، بل شريكاً في تحديد الأولويات وتنفيذ المبادرات ذات الأثر المباشر.

الفرديس والعرقوب.. اختبار حقيقي للشراكة

اللافت في اللقاء أن البحث لم يبقَ في مستوى العموميات، بل انتقل إلى مركزين محددين في الفرديس والعرقوب.

في الفرديس، يعمل مركز عامل التنموي منذ عام 2008 على تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية والتوعية والتدريب والتمكين الاقتصادي، فيما استفادت 348 امرأة من برامج التدريب والإنتاج والتمكين الاقتصادي.

وهذه الأرقام تطرح سؤالاً أبعد من حجم الخدمات المقدمة: ماذا يعني تمكين النساء اقتصادياً في قرى تواجه أزمات متلاحقة؟

الجواب يكمن في أن الاستثمار في قدرة الأسرة على إنتاج الدخل قد يكون، في بعض الحالات، أكثر استدامة من المساعدات الطارئة التي تنتهي بانتهاء التمويل.
أما في العرقوب، فالمشهد أكثر حساسية.

المركز الصحي التنموي في كفرحمام يخدم نطاقاً يمتد إلى 14 قرية في قضاء حاصبيا، في منطقة تقع على تماس مباشر مع تعقيدات الحدود والتوترات الأمنية والعزلة الجغرافية ونقص الخدمات.

هنا يصبح المركز الصحي أكثر من مجرد نقطة لتقديم العلاج. فهو يمثل، عملياً، إحدى حلقات الربط بين السكان والدولة والمجتمع المدني والجهات الدولية.

السؤال الأصعب: ماذا بعد المساعدات؟

المشكلة المزمنة في الجنوب، كما في مناطق لبنانية أخرى، ليست فقط نقص المساعدات، وإنما غياب الاستدامة.
فالمشاريع القصيرة الأجل قد تخفف الألم، لكنها لا تعالج جذور المشكلة.

ولهذا فإن الحديث عن تعاون بين اليونيفيل ومؤسسة عامل يجب ألا يتوقف عند حملات طبية أو أنشطة ظرفية، بل ينبغي أن ينتقل إلى مشاريع قابلة للقياس، مرتبطة بحاجات السكان، وتملك قدرة على الاستمرار بعد انتهاء أي تمويل أو مهمة مؤقتة.

من هنا يمكن أن تكون الصحة مدخلاً إلى التنمية، والتنمية مدخلاً إلى تثبيت السكان، وتثبيت السكان أحد عناصر الاستقرار.

اليونيفيل أمام اختبار جديد

قد يبدو الربط بين الأمن والتنمية بسيطاً، لكنه يحمل في الواقع إشكالية سياسية وقانونية وعملية.

فاليونيفيل ليست وكالة إنسانية، ومهمتها الأساسية مرتبطة بولاية مجلس الأمن الدولي. لكن ذلك لا يمنعها من استخدام قدراتها الطبية والهندسية والتقنية، ومن تنسيق جهودها مع السلطات المحلية ومنظمات المجتمع المدني، ضمن الحدود التي تسمح بها مهمتها.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الشراكة مع مؤسسات محلية تمتلك الخبرة الميدانية.

فالجندي الأممي يستطيع الوصول إلى منطقة، لكنه لا يعرف بالضرورة تفاصيل احتياجات كل قرية.
أما المؤسسة المحلية فتملك المعرفة بالسكان، وبالفئات الأكثر هشاشة، وبالأولويات التي لا تظهر في التقارير الرسمية.

المعادلة المثلى، إذاً، ليست أن تحل اليونيفيل محل الدولة، ولا أن تحل المؤسسات الدولية محل المؤسسات المحلية، بل أن تتكامل الأدوار.

الأمن الإنساني.. المفهوم الذي يتقدم

حين تحدث مهنا عن الجمع بين «الأمن الإنساني والتنمية والعدالة الاجتماعية»، فإنه وضع النقاش في إطار أوسع من مهمة حفظ السلام التقليدية.

الأمن الإنساني يعني ببساطة أن الإنسان نفسه يجب أن يكون في قلب أي مقاربة للاستقرار.

فماذا يعني أن تكون الحدود هادئة بينما لا يستطيع سكانها الحصول على العلاج؟

وماذا يعني الحفاظ على الاستقرار إذا كان الشباب يغادرون المنطقة بحثاً عن العمل؟

وماذا يعني الحديث عن الصمود إذا كانت العائلات الأكثر هشاشة عاجزة عن تأمين أبسط مقومات الحياة؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية الدور الأمني لليونيفيل، بل تكشف أن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى أكثر من عنصر واحد.

الجنوب بين الصمود والإنهاك

على مدى عقود، أثبت سكان الجنوب قدرة لافتة على البقاء في أرضهم رغم الحروب والاحتلال والتهجير والأزمات الاقتصادية.
لكن الصمود ليس مفهوماً لا نهائياً.

فكل مجتمع يمكن أن يصل إلى مرحلة يصبح فيها البقاء نفسه مكلفاً اقتصادياً واجتماعياً.

وعندما تتراجع الخدمات، وتزداد البطالة، ويصبح الوصول إلى الرعاية الصحية أكثر صعوبة، يتحول النزوح أو الهجرة من خيار اضطراري إلى استراتيجية بقاء.

وهنا تصبح المشاريع الصحية والتنموية جزءاً من معركة الحفاظ على المجتمع المحلي، وليس مجرد عمل خيري.

من مشروع سريع إلى استراتيجية طويلة الأمد

إذا أرادت الشراكة بين مؤسسة عامل والكتيبة الهندية أن تتجاوز حدود اللقاءات والأنشطة الموسمية، فإن أمامها مجموعة من المسارات العملية:

أولاً: تطوير برامج صحية منتظمة تستهدف القرى الأكثر حاجة، مع التركيز على الرعاية الأولية والوقاية.

ثانياً: توسيع برامج تمكين النساء والشباب وربط التدريب المهني بفرص اقتصادية حقيقية.

ثالثاً: دعم المشاريع الصغيرة والإنتاج المحلي، بما يساعد العائلات على الانتقال من تلقي المساعدة إلى إنتاج الدخل.

رابعاً: تطوير برامج للتوعية والاستجابة للطوارئ، خصوصاً في المناطق الحدودية.

خامساً: اعتماد آليات واضحة لقياس نتائج المشاريع، بحيث لا يبقى تقييم النجاح مرتبطاً بعدد المستفيدين فقط، بل بمدى تحسن ظروفهم وقدرتهم على الاعتماد على أنفسهم.

أين الدولة في هذه المعادلة؟

لكن ثمة سؤالاً لا يمكن تجاوزه: أين الدولة اللبنانية؟

لا يمكن أن تصبح المنظمات الدولية وقوات حفظ السلام والمؤسسات غير الحكومية بديلاً دائماً عن الوزارات والإدارات العامة.

المساعدات الدولية قد تسد فجوة، والمؤسسات الأهلية قد تصل إلى أماكن لا تصل إليها الدولة، واليونيفيل قد توفر إمكانات وخبرات، لكن التنمية المستدامة تحتاج إلى سياسة عامة لبنانية وإلى تمويل رسمي وإلى مؤسسات قادرة على الاستمرار.

والأخطر أن يتحول الجنوب إلى مساحة تعتمد بصورة دائمة على المبادرات الخارجية لسد حاجاته الأساسية.

فالهدف النهائي يجب أن يكون تعزيز قدرة الدولة والمجتمعات المحلية، لا تكريس اعتمادها على الخارج.

هل نحن أمام نموذج جديد؟

ربما تكون أهمية لقاء مهنا والكتيبة الهندية في أنه يفتح الباب أمام نموذج مختلف من التعاون.

نموذج لا يلغي المهمة الأمنية لليونيفيل، ولا يحولها إلى منظمة تنموية، لكنه يستفيد من قدراتها وخبراتها بالتنسيق مع مؤسسات محلية تمتلك المعرفة الميدانية.

ومن الفرديس إلى العرقوب، يمكن اختبار هذا النموذج على الأرض: مركز صحي، تدريب مهني، تمكين امرأة، دعم شاب، مشروع صغير، أو استجابة طارئة.

قد تبدو هذه المبادرات صغيرة أمام حجم الأزمات التي يعيشها الجنوب، لكنها تصبح ذات قيمة استراتيجية عندما تتراكم وتتحول إلى شبكة حماية اجتماعية واقتصادية.

حماية الأرض تبدأ بحماية الإنسان

المعادلة التي يطرحها هذا اللقاء واضحة: لا يمكن حماية الاستقرار في الجنوب من دون حماية الإنسان الذي يعيش فيه.

اليونيفيل تستطيع أن تؤدي دوراً أمنياً أساسياً، ومؤسسة عامل تستطيع أن تقدم خبرة ميدانية وإنسانية، لكن النجاح الحقيقي يبقى مرتبطاً بقدرة هذه الأطراف على العمل ضمن إطار واضح يحترم سيادة الدولة ويستجيب للحاجات الفعلية للسكان.

فالجنوب لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات عن الصمود بقدر ما يحتاج إلى أدوات تجعل الصمود ممكناً.

والاختبار الحقيقي لأي مبادرة دولية أو محلية لن يكون في عدد الاجتماعات التي عُقدت، بل في عدد العائلات التي استطاعت الحصول على علاج، وعدد النساء اللواتي دخلن سوق العمل، وعدد الشباب الذين وجدوا فرصة للبقاء، وعدد القرى التي أصبحت أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.

عندها فقط يصبح الأمن أكثر من غياب الحرب، ويصبح الصمود أكثر من مجرد البقاء.إذا أردت، أستطيع أيضاً إعدادها بأسلوب استقصائي سياسي أكثر حدّة، مع عنوان صادم من نوع: «من يحمي الجنوب عندما لا تكفي البندقية؟ اليونيفيل أمام امتحان الصمود الاجتماعي»، وإضافة زوايا التمويل، السيادة، دور الدولة اللبنانية، ومخاطر تحوّل الجنوب إلى منطقة تعتمد على المساعدات الدولية.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون | القسم المحلي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا