من فساد السلطة إلى مسؤولية المجتمع.. سيزار المعلوف يفتح النار: حين يصبح الفساد مرآةً لمجتمعٍ صامت
ميديا برس ليبانون _ لم يعد الفساد، في قراءة النائب السابق سيزار المعلوف، مجرد خللٍ داخل مؤسسات الدولة أو نتيجةً مباشرة لأداء سياسي وإداري متردٍّ، بل تحوّل إلى ظاهرة أوسع تتداخل فيها مسؤولية السلطة مع سلوك المجتمع، وتحديداً مع الصمت والقبول وإعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها.
في منشور سياسي لافت عبر صفحته على «فايسبوك»، اختار المعلوف مقاربة مختلفة، نقل فيها النقاش من سؤال «من يفسد النظام؟» إلى سؤال أكثر إحراجاً: «لماذا سمحنا له أن يفسدنا؟».
انقلاب الأدوار واختلال المعايير
ينطلق المعلوف من تشخيص يعتبر أن المشكلة لم تعد محصورة في مؤسسة أو قطاع بعينه، بل طاولت منظومة واسعة من القيم والأدوار. فهو ينتقد أداء قطاعات ومهن ومؤسسات متعددة، من الأطباء والمحامين والقضاة، وصولاً إلى الحكومات والصحافة والمصارف.
وبذلك، يبدو أن الرسالة الأساسية التي يريد إيصالها تتجاوز انتقاد أشخاص أو مؤسسات محددة، لتطال البيئة التي تسمح للخلل بأن يصبح أمراً مألوفاً، وللمحاسبة أن تتحول إلى شعار موسمي، فيما يستمر الواقع نفسه في إنتاج النتائج ذاتها.
فالفساد، وفق هذه المقاربة، لا يحتاج دائماً إلى قرار رسمي كي يستمر؛ يكفي أحياناً أن يتحول إلى أمر واقع مقبول، أو إلى ممارسة يتم السكوت عنها، أو إلى مصالح متبادلة تجعل مواجهة الخلل أكثر كلفة من التغاضي عنه.
النواب الممدَّد لهم… الهدف السياسي الأبرز
لكن المعلوف لا يكتفي بالتوصيف العام، بل يوجّه سهامه بصورة مباشرة إلى النواب الممدَّد لهم، منتقداً الخطاب السياسي الذي يسبق الاستحقاقات ويختلف عن الممارسة بعد الوصول إلى السلطة.
ويقول إن هؤلاء «أتقنوا فن الكلام حتى أصبحوا محترفين في صبّ العسل في آذان الناس»، في إشارة إلى منظومة الوعود والشعارات التي تُستخدم لاستقطاب الناخبين، فيما يبقى الاختبار الحقيقي في القدرة على تحويل هذه الشعارات إلى سياسات وقرارات ونتائج ملموسة.
ويختصر المعلوف المفارقة بعبارة شديدة الدلالة: «في الشعارات هم الأسياد، وفي التطبيق هم العبيد»، ليضيف أن عبوديتهم، وفق توصيفه، تصبح للمصالح والنفوذ والكراسي.
وهنا تنتقل الانتقادات من الأداء النيابي إلى جوهر العلاقة بين الناخب والمنتخب: هل المشكلة في السياسي وحده، أم في منظومة انتخابية واجتماعية تعيد إنتاجه؟
الناخب أمام المرآة
أكثر ما يميز موقف المعلوف أنه لا يعفي المجتمع من المسؤولية.
فتحميل النظام وحده مسؤولية الفساد، بحسب رؤيته، يبقى تشخيصاً ناقصاً، لأن النظام الفاسد يحتاج إلى بيئة تسمح له بالاستمرار. ومن هنا تأتي الإشارة إلى انتخاب من خذل الناس، والتصفيق لمن يخدعهم، والصمت أمام الظلم.
هذه النقطة تفتح الباب أمام سؤال جوهري في الحياة السياسية اللبنانية: هل الناخب ضحية للمنظومة السياسية فقط، أم أنه شريك في إعادة إنتاجها؟.
فالانتخابات لا تنتهي عند صندوق الاقتراع. خيارات الناس، والتحالفات المحلية، والخدمات، والولاءات، والخطاب الطائفي والمناطقي، والقدرة على التأثير في الرأي العام، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في شكل المجلس النيابي المقبل.
وبالتالي، فإن محاربة الفساد لا تبدأ فقط من تغيير القوانين، بل أيضاً من تغيير المعايير التي تحدد على أساسها المجتمعات خياراتها السياسية.
بين الخطاب والمحاسبة
المعضلة التي يطرحها كلام المعلوف تتصل تحديداً بالفجوة بين الخطاب السياسي والممارسة.
فالوعود الانتخابية يمكن أن تكون جذابة، لكن قيمتها الفعلية تُقاس بما يتحقق منها. والشعارات الوطنية والإصلاحية لا تكفي إذا لم تتحول إلى قوانين وإجراءات ومحاسبة وشفافية.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس فقط ماذا يقول السياسي، بل ماذا فعل عندما امتلك السلطة أو النفوذ؟ وما القرارات التي اتخذها؟ وما الملفات التي واجهها؟ وأين كانت مواقفه عند الاختبارات الحقيقية؟.
هذه المعايير وحدها يمكن أن تنقل المواطن من موقع المستمع إلى موقع المحاسب.
هل المجتمع شريك في الأزمة؟
القول إن المجتمع يتحمل جزءاً من مسؤولية استمرار الفساد لا يعني، بطبيعة الحال، إعفاء السلطة من مسؤوليتها الأساسية. فالدولة تملك المؤسسات والقوانين وأدوات الرقابة والمحاسبة، والسياسيون يتحملون مسؤولية أكبر عندما يتولون مواقع القرار.
لكن رسالة المعلوف تضع إصبعها على جانب آخر من المشكلة: السلطة لا تعمل في فراغ.
عندما يصبح الفساد معروفاً ولا يؤدي إلى محاسبة، وعندما تتحول الوعود المتكررة إلى وسيلة انتخابية فعّالة، وعندما يستمر المسؤول نفسه في الحصول على الدعم رغم فشله، فإن المشكلة تصبح أعمق من أداء شخص أو حكومة.
إنها مشكلة علاقة متبادلة بين السلطة والمجتمع.
السؤال الأخطر: لماذا سمحنا له أن يفسدنا؟
في خاتمة موقفه، ينقل المعلوف النقاش إلى مستوى أكثر عمقاً عندما يسأل: «لماذا سمحنا له أن يفسدنا؟»
وهذا السؤال، سياسياً واجتماعياً، ربما يكون أكثر أهمية من البحث عن متهم واحد.
فالمحاسبة لا تكون فقط عبر القضاء أو الأجهزة الرقابية، بل تبدأ أيضاً من الوعي الانتخابي، ومن رفض تحويل السياسة إلى زبائنية، ومن التمييز بين الإنجاز الحقيقي والدعاية، وبين الموقف المبدئي والمصلحة الآنية.
أما استمرار الصمت، فيعني أن المواطن سيبقى يدفع ثمن منظومة لم يشارك في صناعتها بالكامل، لكنه قد يساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في استمرارها.
لا إصلاح من دون تغيير المعادلة
يضع كلام سيزار المعلوف أمام اللبنانيين معادلة صعبة: السلطة الفاسدة تتحمل مسؤولية فسادها، لكن المجتمع يتحمل أيضاً مسؤولية السماح لها بالاستمرار إذا اختار الصمت أو أعاد إنتاجها.
وبين المسؤولية السياسية والمسؤولية الشعبية، يبقى الإصلاح الحقيقي مرتبطاً بقدرة اللبنانيين على تحويل الانتخابات من مناسبة لتجديد الولاءات إلى فرصة للمحاسبة، وتحويل المواطن من متلقٍّ للوعود إلى شريك في صناعة القرار.
فإذا كان السياسي مسؤولاً عن ممارسة السلطة، فإن الناخب مسؤول عن منحه هذه السلطة.
وهنا يصبح السؤال الذي طرحه المعلوف أكثر من مجرد عبارة سياسية: من أفسد النظام؟ سؤالٌ للماضي، أما لماذا سمحنا له أن يفسدنا؟ فهو سؤال المستقبل.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي



اترك تعليقًا