كي لا ننسى سعد كموني.. حين يتحول رحيل المثقف إلى سؤال عن مصير الفكر والكلمة
ميديا برس ليبانون
■ أحمد موسى
في زمن تتسارع فيه الأحداث حتى تكاد الذاكرة الثقافية تفقد قدرتها على الاحتفاظ بأصحابها، يصبح تكريم المثقف الراحل أكثر من مجرد مناسبة لاستعادة السيرة. يصبح فعلاً من أفعال مقاومة النسيان، ومحاولة لفتح ما تركه الراحل من أسئلة أمام جيل جديد.
من هذا المنطلق، أقام الملتقى الشعبي اللبناني الفلسطيني الثقافي، يوم السبت 15 آب 2026، في مقره عند مفرق الفيضة بجانب محطة الشهيد، لقاءً تكريمياً للدكتور سعد حسن كموني تحت شعار «كي لا ننسى»، برعاية وحضور مدير عام التعليم العالي السابق الدكتور أحمد الجمال، وبمشاركة نخبة من الشخصيات الفكرية والأكاديمية والثقافية والاجتماعية.
لكن قراءة هذا اللقاء تكشف أن المسألة لم تكن احتفالاً بغياب رجل فحسب، بل محاولة للإجابة عن سؤال أعمق: ماذا يبقى من المثقف بعد رحيله؟ وهل تستطيع المؤسسات الثقافية أن تحوّل إرثه من ذكرى عابرة إلى مشروع فكري مستمر؟.
من حفلة تكريم إلى استعادة مشروع فكري
أدار اللقاء الدكتورة إسلام جحا، أستاذة الإعلام والعلاقات العامة في الجامعة اللبنانية الدولية – فرع البقاع، واستُهل بتلاوة من القرآن الكريم تلاها الشيخ عبد الله الثابر، قبل عزف النشيدين الوطنيين اللبناني والفلسطيني.
وتوالت الكلمات التي لم تكتفِ باستعراض محطات من حياة كموني، بل حاولت تفكيك جوانب مختلفة من تجربته.
الدكتور أحمد الجمال تناول الأبعاد الوطنية والأكاديمية في شخصية الراحل، فيما استحضرت رئيسة تلاقي الجمعيات كوثر عبد الفتاح مناقبه وإسهاماته الإنسانية والثقافية. أما الدكتور فواز فرحات فتوقف عند الجوانب النقدية والفكرية في تجربته، بينما قدم الشاعر مروان درويش قراءة وجدانية وشعرية، وأضاء الأديب والشاعر والكاتب إسماعيل شعبان على البعد الإبداعي والأدبي في مسيرته.
وفي كلمة العائلة، استعاد الدكتور خالد كموني بعضاً من خصال الراحل ووصاياه، ناقلاً صورة إنسان لم يكن حضوره محصوراً في مؤلفاته، بل امتد إلى علاقاته الإنسانية وإلى الأثر الذي تركه في طلابه وزملائه ومحيطه الثقافي.
سعد كموني.. أكثر من أستاذ جامعي
تكمن أهمية تجربة سعد حسن كموني في أنها لم تستقر داخل اختصاص واحد.
فهو الكاتب والشاعر والباحث والأستاذ الجامعي والصحافي، الذي جمع بين اللغة والأدب والنقد والدراسات الفكرية والقرآنية، وحاول من خلال هذا التنوع أن يقترب من أسئلة الإنسان العربي ومشكلاته الحضارية والثقافية.
وُلد كموني في جب جنين في البقاع الغربي عام 1957، وبدأ مسيرته في مجال التعليم، قبل أن ينتقل إلى فضاءات العمل الأكاديمي والصحافي والثقافي.
وحصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية وآدابها، من جامعة الجنان عام 2004، عن أطروحته «ملامح العقل العربي في النص القرآني الكريم».
كما حاضر في الجامعة اللبنانية، وفي الجامعة اللبنانية الدولية، إضافة إلى مؤسسات جامعية وأكاديمية أخرى، وترك في مسيرته التعليمية أثراً لدى أجيال من الطلاب.
بين القرآن والنهضة.. أين كان يقف مشروعه؟
العودة إلى عناوين مؤلفات كموني تكشف أن اهتمامه لم يكن منصباً على الأدب بوصفه مساحة جمالية فقط، بل على الفكر باعتباره أداة لمساءلة الواقع.
ومن أبرز مؤلفاته: «قراءات في الجفر» و«النوم رماد اليقظة» و«شجر الخيبة» و«الطلل في النص العربي» و«العقل العربي في القرآن» و«الخطاب القرآني» و«إغواء التأويل واستدراج النص الشعري بالتحليل النحوي» و«العلمنة والأسلمة: نعم.. ولكن» و«آيات الجهاديين: قراءة أخرى» و«ما ملكت أيمانكم: دراسة في تهافت التبعية والذكورية»، إلى جانب أعمال أخرى.
ولا تبدو هذه العناوين، عند قراءتها مجتمعة، مجرد قائمة إنتاج أدبي وأكاديمي متنوع؛ بل ترسم ملامح مشروع كان منشغلاً بأسئلة العقل العربي، والنهضة، والحرية، والتأويل، والعلاقة بين النص والفهم الذي تراكم حوله.
وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط تجربة كموني: لم يتعامل مع الموروث بوصفه منطقة محرّمة على السؤال، بل حاول إخضاع بعض مسلّماته للبحث والنقد وإعادة القراءة.
النص القرآني في قلب المشروع
يشكل النص القرآني أحد المحاور الأساسية في تجربة كموني البحثية.
فأطروحته للدكتوراه حول ملامح العقل العربي في النص القرآني شكلت محطة تأسيسية، قبل أن تتوسع اهتماماته في مؤلفات لاحقة، بينها «العقل العربي في القرآن» و«الخطاب القرآني» و«آيات الجهاديين: قراءة أخرى».
ومن خلال هذا المسار، يظهر اهتمامه بإعادة فتح العلاقة بين النص والتأويل، وبين النص المؤسس والفهم البشري المتشكل عبر التاريخ.
ولم يكن السؤال بالنسبة إليه سؤالاً لغوياً أو دينياً محضاً، بل ارتبط بقضايا أوسع: كيف يفكر الإنسان العربي؟ لماذا تعثرت مشاريع النهضة؟ كيف يمكن استعادة القدرة على النقد؟ وأين تبدأ حرية الإنسان في مواجهة الموروث والتفسيرات الجاهزة؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح تجربته بعداً يتجاوز حدود الكتاب الأكاديمي أو القصيدة أو المقالة الصحافية.
من الجامعة إلى الصحافة.. المثقف في أكثر من فضاء
لم يحصر كموني نفسه داخل المدرج الجامعي.
فإلى جانب التدريس والبحث، خاض تجربة صحافية وثقافية، ونشر مقالات وأبحاثاً في دوريات مختلفة، كما تولى لسنوات مهمة مدير تحرير مجلة «المنابر» البيروتية.
وهذا الانتقال بين الجامعة والصحافة والأدب يكشف صورة المثقف الذي يرى أن المعرفة لا ينبغي أن تبقى أسيرة المؤسسات الأكاديمية، بل يجب أن تتحول إلى حوار مع المجتمع.
ولعل هذه النقطة تحديداً تفسر حضور شخصيات من مشارب مختلفة في حفل تكريمه؛ من أكاديميين ومثقفين وشعراء إلى ممثلي جمعيات وروابط ثقافية وبلدية واجتماعية.
«كي لا ننسى».. ماذا يعني الوفاء للمثقف؟
هنا يبدو شعار المناسبة أكثر دلالة من كونه عنواناً احتفالياً.
فعبارة «كي لا ننسى» تضع المؤسسات الثقافية أمام مسؤولية تتجاوز إقامة الاحتفال وتقديم الدروع.
فالوفاء الحقيقي للمثقف لا يكون فقط بإحياء ذكراه بعد رحيله، وإنما بتحويل إنتاجه إلى مادة للقراءة والنقد والدراسة، وإعادة تقديمه إلى الأجيال الجديدة.
وفي هذا السياق، أكدت رئيسة الهيئة التأسيسية للملتقى الشعبي اللبناني الفلسطيني الثقافي الأستاذة نوال ترشيشي أن الوفاء للدكتور سعد كموني لا يقتصر على استذكار شخصه، بل يتمثل في إبقاء فكره حاضراً، والتمسك بقيمة الكلمة الحرة والفكر المسؤول اللذين شكلا جانباً أساسياً من مسيرته.
وترشيشي، التي جمعتها بالراحل سنوات من الحوار والنشاط الثقافي ضمن حلقة الحوار الثقافي، قدمت في كلمة الملتقى صورة عن علاقة المؤسسة بالراحل، وعن الرغبة في مواصلة المسار الذي مثله.
حضور ثقافي واسع
وشهد اللقاء حضوراً لافتاً لشخصيات وطنية وثقافية واجتماعية وبلدية، من بينها ممثل مفتي زحلة والبقاع فضيلة الشيخ وليد اللويس، ورئيس حلقة الحوار الثقافي العميد محمد الحاج، وممثل التجمع الوطني للثقافة والبيئة والتراث وليد الريحاني، وممثل المجلس الثقافي لراشيا والبقاع الغربي مروان درويش، ورئيس المنتدى الثقافي الجديد عمر شبلي، وقائمقام البقاع الغربي وسام نسبيه، والسفير محمد الترشحاني، وكمال الميس، إضافة إلى رؤساء وممثلي جمعيات وروابط ومجالس ثقافية وبلدية ومخاتير وإعلاميين.
هذا الحضور لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل عكس حجم الشبكة الثقافية والاجتماعية التي كان كموني جزءاً منها، والتي وجدت في المناسبة فرصة لإعادة وصل الذاكرة بالحاضر.
الدروع والشال الفلسطيني.. رموز تتجاوز التكريم
في ختام اللقاء، قُدم درع تكريمي باسم الراحل، وآخر للدكتور أحمد الجمال، إضافة إلى دروع لأفراد عائلة كموني.
كما قُدم الشال الفلسطيني للمحاضرين والمكرمين، في إشارة رمزية إلى هوية الملتقى اللبناني الفلسطيني، وإلى تداخل الثقافة مع قضايا الانتماء والذاكرة والهوية.
أما القصائد الشعرية التي قدمها فريد بن عرار الشريف وأبو ليث المحضار، والأوبريت والفقرات الإنشادية والمسرحية التي قدمتها فرقة تابعة للأكاديمية العليا لتحفيظ القرآن الكريم، فقد نقلت المناسبة من إطارها الأكاديمي إلى فضاء وجداني وشعبي أوسع.
السؤال الذي تركه كموني
ربما لا تختصر تجربة سعد كموني في عدد الكتب التي ألفها، ولا في المناصب الأكاديمية التي شغلها، ولا في الشهادات التي حصل عليها.
الأهم هو الأسئلة التي تركها وراءه.
سؤال النهضة، وسؤال الحرية، وسؤال العلاقة بين الإنسان والنص، وسؤال قدرة الثقافة العربية على الخروج من دائرة التلقي إلى دائرة الإنتاج والمبادرة.
ومن هنا، فإن استعادة إرثه لا ينبغي أن تتوقف عند سرد سيرته، بل تبدأ من إعادة قراءة كتبه ومناقشة أفكاره واختبارها ونقدها، لأن الفكر الذي لا يُناقش يتحول إلى ذكرى، بينما الفكر الذي يفتح باب السؤال يبقى حياً.
كي لا ننسى
في البقاع، حيث خرج سعد كموني من جب جنين إلى فضاءات الجامعة والصحافة والبحث والأدب، عاد اسمه في 15 آب إلى المكان الثقافي الذي عرفه محباً للكلمة ومشتبكاً مع أسئلتها.
كان عنوان اللقاء «كي لا ننسى»، لكن المعنى الأعمق ربما كان: كي لا ننسى أن الثقافة لا تُقاس فقط بما يتركه أصحابها من كتب، بل بما يتركونه من أسئلة في عقول من يأتون بعدهم.
رحل سعد كموني، لكن مشروعه لم ينتهِ بالضرورة مع غياب صاحبه. فالنصوص باقية، والكتب قابلة لإعادة القراءة، والأسئلة التي أثارها ما زالت مفتوحة.
وهنا يصبح التكريم الحقيقي ليس درعاً يوضع على رف، ولا صورة تُلتقط في مناسبة، بل أن يستمر الحوار مع ما كتب، وأن يبقى القلم الذي آمن به قادراً على إزعاج الصمت وفتح النوافذ أمام سؤال جديد.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم الثقافي










اترك تعليقًا