محاولة اغتيال مروّعة لزعيم عصابة لبناني في أستراليا.. كمين بالرصاص يعيد فتح ملف حروب الجريمة المنظمة

ميديا برس ليبانون |لم يكن إطلاق النار الذي استهدف اللبناني الأسترالي فادي حدارة أمام منزله في منطقة Altona North غرب ملبورن، مجرد حادث أمني عابر. فالمؤشرات التي تجمعها الشرطة الأسترالية ترسم ملامح عملية بدت، منذ لحظاتها الأولى، محددة الهدف ومخططاً لها، فيما أعاد الهجوم إلى الواجهة تاريخاً طويلاً من الصراعات المرتبطة بالجريمة المنظمة وتجارة التبغ غير المشروعة في ولاية فيكتوريا.

حدارة، البالغ 48 عاماً، نجا من كمين دموي لكنه لا يزال في حالة حرجة داخل مستشفى Royal Melbourne، بعدما أُصيب بعدة طلقات قرب سيارته الـBMW عند مدخل منزله، في حادث أعاد إلى الذاكرة جريمة قتل شقيقه محمد حدارة عام 2009، والتي وقعت في المنطقة نفسها تقريباً.

كمين أمام المنزل.. والشرطة تتحدث عن «هدف محدد»

بحسب المعطيات الأولية، وقع إطلاق النار مساء الأحد في محيط Marigold Avenue، قبل الساعة السابعة بقليل. وعثر أحد أفراد عائلة حدارة عليه ممدداً وسط بركة من الدماء، قبل نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.

المحقق آدم تيلي أكد أن ظروف إطلاق النار لا تزال قيد التحقيق، إلا أن المعطيات الأولية تشير إلى أن الاعتداء لم يكن عشوائياً، بل استهدف حدارة بصورة مباشرة.

وتعمل الشرطة على تفريغ كاميرات المراقبة وتتبع حركة الأشخاص والسيارات في المنطقة، بالتوازي مع مشاركة محققي جرائم الأسلحة ووحدات مكافحة الجريمة المنظمة، في محاولة لكشف هوية المنفذين وتحديد الجهة التي تقف وراء العملية.

حتى الآن، لم تعلن الشرطة أسماء مشتبه بهم، ما يجعل دوافع الهجوم وهوية المخططين له جزءاً من التحقيق المفتوح.

صراع التبغ غير الشرعي.. الهدنة الهشة تحت الاختبار

القضية تتجاوز، وفق المعلومات المتداولة، حدود حادث إطلاق النار. إذ ترتبط عائلة حدارة منذ سنوات بملف تجارة التبغ غير القانونية في فيكتوريا، في وقت تحدثت تقارير عن خصومة بينها وبين مجموعة كاظم حماد، المسجون حالياً، والمعروفة باسم «313».

وبحسب مصادر نقلت عنها ABC من أوساط الجريمة المنظمة، كانت هناك خلال الفترة الماضية حالة من الهدوء النسبي أو «الهدنة الهشة» بين الأطراف المتنافسة على سوق التبغ غير المشروع.

لكن استهداف شخصية بارزة بهذا الحجم قد يعيد إشعال الصراع، خصوصاً إذا ثبت ارتباط العملية بالمنافسة على الأسواق غير القانونية.

ولا تقتصر أهمية هذه الأسواق على التبغ، إذ تتقاطع شبكات الجريمة المنظمة في كثير من الأحيان مع تجارة المخدرات وغسل الأموال وعمليات الابتزاز والعنف، ما يجعل أي تصعيد بين مجموعات متنافسة مصدر قلق للأجهزة الأمنية الأسترالية.

هل كانت الرصاصة رسالة؟

أحد السيناريوهات التي تدرسها أوساط الجريمة المنظمة، وفق ما نقلته ABC، أن يكون استهداف حدارة محاولة لإرسال رسالة تتجاوز شخصه إلى خصوم محتملين أو أطراف جديدة تفكر في دخول الأسواق غير الشرعية.

وفي عالم الجريمة المنظمة، لا تكون عملية استهداف شخصية بارزة بالضرورة مجرد تصفية حسابات؛ فقد تحمل أحياناً وظيفة ردع، أو إعادة رسم مناطق النفوذ، أو فرض قواعد جديدة على سوق شديد الربحية.

لكن هذه القراءة تبقى في إطار الفرضيات، ولا يمكن الجزم بها قبل انتهاء التحقيقات الأسترالية وتحديد هوية منفذي الهجوم والجهة التي تقف خلفهم.

من لبنان إلى ملبورن.. مسيرة انتهت في مرمى النار

وُلد فادي حدارة في لبنان وانتقل إلى أستراليا عندما كان في السادسة من عمره. ترك المدرسة في الصف الحادي عشر، وعمل في مجال الأمن، قبل أن يصبح اسماً معروفاً في رياضة الكيك بوكسينغ، كلاعب ومروّج.

غير أن مسيرته ارتبطت لاحقاً، بحسب السلطات والتقارير الأسترالية، بعالم الجريمة المنظمة، وصولاً إلى وصفه بأنه زعيم لعائلة إجرامية تحمل اسمه.

وبينما لا تزال الشرطة تتحرى ملابسات الهجوم الأخير، فإن مسار حياته يسلط الضوء على تشابك عالم الجريمة المنظمة مع شبكات الأعمال غير المشروعة، وعلى قدرة بعض المجموعات على بناء نفوذ طويل الأمد داخل الأسواق السوداء.

جريمة 2009 تعود إلى الواجهة

المفارقة الأكثر إثارة في الحادث أن عائلة حدارة تحمل ذاكرة دامية في المنطقة نفسها.

ففي عام 2009، قُتل شقيق فادي، محمد حدارة، في إطلاق نار من سيارة مارة، على مسافة لا تبعد سوى مئات الأمتار عن المكان الذي استُهدف فيه فادي الأحد.

هذا التشابه الجغرافي لا يعني، بحد ذاته، وجود صلة بين الجريمتين، لكن عودة العنف إلى المحيط نفسه تفرض على المحققين، بطبيعة الحال، التدقيق في التاريخ الكامل للنزاعات والخصومات المرتبطة بالعائلة.

التحقيق أمام اختبار كشف «الرصاصة المجهولة»

المرحلة المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة للشرطة الأسترالية: من أين جاء مطلقو النار؟ كيف وصلوا إلى المكان وغادروا منه؟ هل كانت هناك مراقبة مسبقة لمنزل حدارة؟ وهل كان المنفذون يعملون لحساب جهة واحدة أم ضمن شبكة أكبر؟

هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان الهجوم حادثاً انتقامياً محدوداً أم حلقة جديدة في صراع أوسع داخل عالم الجريمة المنظمة في ملبورن.

وفي انتظار الإجابات، يبقى المؤكد أن إطلاق النار على فادي حدارة لم يفتح فقط تحقيقاً جنائياً جديداً، بل أعاد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الملفات حساسية في أستراليا: حروب الأسواق السوداء، حيث يمكن لصفقة تبغ غير قانونية أن تتحول إلى صراع نفوذ، ولصراع النفوذ أن ينتهي برصاصة أمام باب منزل.

اختبار مزدوج

الهجوم على فادي حدارة يضع السلطات الأسترالية أمام اختبار مزدوج: كشف منفذي العملية ومن أمر بها، ومنع تحولها إلى شرارة لجولة جديدة من العنف بين مجموعات الجريمة المنظمة.

فإذا كانت الرصاصة قد أصابت رجلاً واحداً، فإن تداعياتها المحتملة قد تتجاوز سرير المستشفى إلى سوق كامل تتنافس عليه شبكات منظمة، وسط خشية حقيقية من أن تكون محاولة الاغتيال بداية مرحلة جديدة من حرب النفوذ في عالم الجريمة غير المشروعة بملبورن.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات الإقليمي والدولي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا