من الزهراني.. الصدي يفتح ملف الأصول النفطية: هل يستعيد لبنان دور همزة الوصل بين الشرق والغرب؟
ميديا برس ليبانون |من خزانات الزهراني إلى المرابط البحرية، أعاد وزير الطاقة والمياه جو الصدي طرح واحد من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية: كيف يمكن للبنان تحويل منشآته النفطية الاستراتيجية من أصول جامدة إلى أدوات إنتاج وعائدات ودور إقليمي؟.
زيارة الصدي إلى منشآت النفط في الزهراني لم تكن مجرد جولة تفقدية، بل حملت رسالة واضحة حول توجه رسمي لإعادة تقييم وظيفة هذه المنشآت وربطها برؤية أوسع تسعى إلى إعادة لبنان إلى موقعه التاريخي كممر بين الشرق والغرب في قطاع الطاقة والنفط.
جولة ميدانية في قلب المنشآت النفطية
زار الوزير الصدي منشآت النفط في الزهراني برفقة منسق لجنة استقدام صهاريج النفط من العراق وعضو هيئة إدارة قطاع النفط وسام الذهبي، وكان في استقباله مدير المنشآت زياد الزين والطاقم العامل فيها.
وعاين الصدي واقع المنشآت ميدانيًا، وجال في الخزانات للاطلاع على مستوى الجهوزية وحاجات الصيانة، في وقت تكتسب فيه البنية التحتية النفطية أهمية متزايدة مع الحديث عن إعادة تفعيل الأصول الاستراتيجية للدولة.
كما تفقد المرابط الموجودة في المرفأ، وعاين القوارب الستة التي جرى تأهيلها خلال الأشهر الماضية، في خطوة تعكس أهمية الجانب البحري في تشغيل المنشآت وتطوير قدراتها اللوجستية.
الزهراني وطرابلس.. أصول استراتيجية تبحث عن وظيفة اقتصادية
الرسالة الأساسية التي حملها الصدي تمثلت في ضرورة الاستفادة اقتصاديًا من الأصول التي يملكها لبنان، وفي مقدمتها منشآت النفط في طرابلس والزهراني.
ويطرح هذا التوجه سؤالًا جوهريًا: هل يستطيع لبنان الانتقال من إدارة هذه المنشآت باعتبارها مرافق نفطية تقليدية إلى توظيفها كجزء من منظومة إقليمية للنقل والتخزين والخدمات النفطية؟
فالمنشآت النفطية ليست مجرد خزانات، بل يمكن أن تشكل، إذا توافرت شروط الاستثمار والتأهيل والإدارة الحديثة، منصات للتخزين والمناولة والخدمات اللوجستية المرتبطة بالطاقة.
استعادة الدور التاريخي.. من الذاكرة إلى المشروع
استند الصدي في رؤيته إلى الدور الذي كان لبنان يؤديه خلال أربعينات وخمسينات وستينات القرن الماضي، عندما كان يشكل محطة وصل مهمة بين الشرق والغرب في قطاع النفط.
لكن استعادة هذا الدور اليوم لن تكون نسخة عن الماضي.
فالقطاع النفطي العالمي تغير، وخريطة الطاقة الإقليمية تبدلت، والمنافسة على الموانئ والمنشآت اللوجستية أصبحت أكثر حدة. لذلك، فإن إعادة لبنان إلى هذه الخريطة تحتاج إلى بنية تحتية مؤهلة، وتشريعات واضحة، واستثمارات، وضمانات تشغيلية، إضافة إلى قدرة الدولة على إدارة أصولها بكفاءة وشفافية.
لجنة طرابلس.. بداية التحرك
كشف الصدي أن لجنة شُكّلت قبل نحو أسبوعين بهدف العمل على الاستفادة من منشآت طرابلس، وأنها بدأت التحضير للأمور اللوجستية المتعلقة بها.
ويعني ذلك أن المسار المطروح لا يقتصر على منشأة الزهراني، بل يتجه نحو مقاربة متكاملة للأصول النفطية اللبنانية، بحيث يتم البحث في الوظيفة الاقتصادية الممكنة لكل منشأة وقدرتها على الاندماج في منظومة إقليمية أوسع.
أما إدخال الزهراني إلى هذه الرؤية، فيبقى مرتبطًا بمدى جهوزية المنشآت وحاجاتها الفنية والاستثمارية، وهو ما حاولت الجولة الميدانية الوقوف عليه.
النفط العراقي.. بوابة اختبار
وجود منسق لجنة استقدام صهاريج النفط من العراق خلال الجولة يضيف بُعدًا آخر إلى المشهد، إذ إن التعاون النفطي مع العراق يمكن أن يشكل إحدى ساحات اختبار قدرة لبنان على استخدام بنيته التحتية النفطية بطريقة أكثر فاعلية.
غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى مكاسب اقتصادية فعلية يتطلب أكثر من تأمين تدفق النفط؛ فالمطلوب بناء منظومة لوجستية متكاملة ترفع كفاءة التخزين والنقل والمناولة، وتقلل الأكلاف، وتفتح المجال أمام خدمات إضافية يمكن أن تحقق إيرادات للدولة.
التحدي الأكبر: من المنشأة إلى الأصل المنتج
المعضلة اللبنانية ليست في غياب الأصول، بل في ضعف القدرة على تحويلها إلى أصول منتجة.
منشآت الزهراني وطرابلس تمثلان قيمة استراتيجية، لكن هذه القيمة لا تتحول تلقائيًا إلى إيرادات. المطلوب خطة واضحة تحدد حجم الاستثمارات المطلوبة، كلفة إعادة التأهيل، نموذج الإدارة، آليات الشراكة مع القطاع الخاص، الأسواق المستهدفة، والعائد الاقتصادي المتوقع.
كما أن أي مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى أعلى درجات الشفافية، خصوصًا أن قطاع النفط يرتبط بأموال عامة ومصالح تجارية وجيوسياسية متشابكة.
اختبار القدرة
جولة جو الصدي في الزهراني فتحت بابًا يتجاوز الصيانة والتأهيل إلى سؤال اقتصادي واستراتيجي أكبر: هل يستطيع لبنان إعادة توظيف منشآته النفطية ليصبح لاعبًا لوجستيًا في قطاع الطاقة بدل أن يبقى مجرد مستورد للنفط ومستهلك له؟.
الطريق طويل، لكن بدء العمل على منشآت طرابلس والبحث في إمكانية إدخال الزهراني إلى الخطة يقدمان مؤشرًا إلى توجه نحو التعامل مع البنية النفطية اللبنانية كأصول استراتيجية قابلة للاستثمار.
ويبقى الاختبار الحقيقي في قدرة الدولة على تحويل هذا الطموح من استعادة «دور تاريخي» إلى مشروع اقتصادي حديث، قابل للتمويل والتنفيذ، ويولد عائدات حقيقية للبنان.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم الاقتصادي والطاقة



اترك تعليقًا