من المصنع إلى الرياض.. «السكانر» يعيد فتح شريان الصادرات اللبنانية ويختبر جدية الانفتاح السعودي
شاحنة تعبر.. وقطاع اقتصادي ينتظر
ميديا برس ليبانون
■ أحمد موسى
ليست عودة حركة التصدير اللبنانية عبر معبر المصنع إلى المملكة العربية السعودية مجرد إجراء جمركي تقني، ولا تقتصر دلالاتها على إعادة تشغيل جهاز سكانر لفحص الشاحنات. فالمشهد الحدودي يحمل في خلفيته اقتصاداً لبنانياً يبحث عن متنفس، وقطاعاً زراعياً ينتظر استعادة أسواقه العربية، وعلاقات تجارية لبنانية ـ سعودية تحاول استعادة مسارها الطبيعي بعد سنوات من التعقيدات والقيود.
ومن المصنع، حيث تتقاطع حركة الشاحنات مع مصالح المزارعين والصناعيين والتجار، برزت رسالة سياسية واقتصادية واضحة: إعادة تأهيل الطريق البري نحو السوق السعودية ليست تفصيلاً لوجستياً، بل اختبار فعلي لقدرة لبنان على استعادة موقعه داخل منظومة التجارة العربية.
السعودية تراقب.. ولبنان يفتح بوابة التصدير
تفقد سفير المملكة العربية السعودية فهد بن عبد الرحمن الدوسري ساحة الجمارك في المصنع، واطّلع على الإجراءات المعتمدة لتصدير الشاحنات، وعلى آلية عمل جهاز السكانر الذي يخضع الشاحنات المعدّة للتصدير إلى المملكة للفحص.
وتكتسب الجولة أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي، باعتبار أن المصنع يمثل البوابة البرية الأساسية للبضائع اللبنانية المتجهة نحو سوريا والأردن ودول الخليج، فيما تشكل السوق السعودية واحدة من أهم الوجهات التقليدية للصادرات اللبنانية، ولا سيما المنتجات الزراعية والغذائية.
وشارك في الجولة ممثلون عن رئاسة الحكومة ووزارات الأشغال العامة والنقل والمالية والاقتصاد والتجارة، إلى جانب قيادات الجمارك والإدارات المعنية، في مشهد جمع للمرة الأولى تقريباً أطراف المعادلة: الدولة، الجمارك، السفارة السعودية، المزارعين، التجار، الصناعيين وقطاع النقل المبرد.
السكانر.. جهاز صغير بمعادلة اقتصادية كبيرة
قد يبدو تشغيل جهاز السكانر مسألة تقنية، لكن خلف هذا الجهاز تختبئ معادلة سياسية واقتصادية كاملة.
فالفحص الجمركي الدقيق للشاحنات يعني، من جهة، تعزيز الرقابة على حركة البضائع والحد من عمليات التهريب؛ ومن جهة أخرى، يشكل شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة الخليجية بالمسار التصديري اللبناني.
وهنا تكمن أهمية المصنع: كلما ارتفعت قدرة لبنان على ضبط شاحناته وبضائعه وحدوده، ارتفعت فرص استعادة الأسواق العربية وثقة شركائه التجاريين.
وبالتالي، فإن إعادة تشغيل السكانر لا ينبغي النظر إليها كإنجاز منفصل، بل كجزء من عملية أكبر عنوانها إعادة بناء الثقة بين لبنان والأسواق العربية.
من المزارع إلى الشاحنة.. القطاع الزراعي في قلب المعركة
أبرز المستفيدين المحتملين من هذه الخطوة هو القطاع الزراعي اللبناني.
فالمزارع لا يواجه مشكلة الإنتاج فقط؛ بل يواجه أيضاً كلفة النقل، وسرعة وصول المنتجات، وشروط التصدير، والقدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.
وأي تحسن في حركة التصدير باتجاه السعودية والخليج يعني عملياً توسيع مساحة السوق أمام الإنتاج اللبناني، وخصوصاً الخضار والفاكهة والمنتجات الزراعية التي تحتاج إلى نقل مبرد وسريع ومنظومة لوجستية موثوقة.
وفي هذا السياق، يصبح قطاع الشاحنات المبردة جزءاً أساسياً من الأمن الاقتصادي الزراعي، لأن تلف شحنة واحدة أو تأخيرها قد يحول الربح المتوقع للمزارع إلى خسارة كاملة.
أحمد حسين لـ«ميديا برس ليبانون»: خطوة تعيد الأمل إلى التصدير
وعلى هامش الجولة، أكد رئيس نقابة أصحاب الشاحنات المبردة في لبنان أحمد حسين، في حديث لـ«ميديا برس ليبانون»، أهمية هذه الخطوة، معتبراً أن إعادة تشغيل جهاز السكانر في نقطة المصنع الحدودية وعودته إلى العمل تمثل بادرة إيجابية للصادرات اللبنانية عموماً، وللقطاع الزراعي خصوصاً، فضلاً عن انعكاساتها الإيجابية على الاقتصاد الوطني.
وأشار حسين إلى أن لبنان لطالما اعتاد على ما وصفه بـ«مملكة الخير»، معرباً عن تقديره للدور السعودي في دعم لبنان، ومشدداً على أن عودة المسار التصديري تحمل أهمية كبيرة للقطاعات الإنتاجية والنقل والتجارة.
الحضور الاقتصادي.. رسالة بأن القضية ليست حدودية
لم يكن الحضور في المصنع محصوراً بالمسؤولين الرسميين.
فقد شارك رئيس بلدية مجدل عنجر جاد حمزة ونائبه أيمن أبو هيكل وأعضاء المجلس البلدي، ورئيس الاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين إبراهيم الترشيشي، ومنسق تيار المستقبل في البقاع الأوسط سعيد ياسين، ورئيس نقابة تجار الخضار والفاكهة في البقاع عمر حاطوم، وأيوب قزعون، ورئيس نقابة مالكي الشاحنات المبردة أحمد حسين، ورئيس تجمع الصناعيين في البقاع نقولا أبو فيصل، إلى جانب حشد من الفعاليات الاقتصادية.
وهذا الحضور يعكس بوضوح أن معبر المصنع ليس مجرد نقطة عبور حدودية، بل عقدة اقتصادية ترتبط بها مصالح آلاف المزارعين والتجار والسائقين والصناعيين والعائلات اللبنانية.
البعد السعودي.. هل تبدأ مرحلة جديدة؟
الأهم في المشهد أن عودة الصادرات لا تنفصل عن المسار السياسي للعلاقات اللبنانية ـ السعودية.
فالسوق السعودية ليست مجرد سوق استهلاكية للبضائع اللبنانية؛ إنها بوابة إلى شبكة اقتصادية خليجية وعربية واسعة. وأي انفتاح سعودي على الصادرات اللبنانية يمكن أن يشكل إشارة إيجابية لبقية الأسواق الخليجية، شرط أن يثبت لبنان قدرته على الالتزام بالمعايير الرقابية ومنع التهريب وضبط الحدود.
وهنا تحديداً تكمن المعادلة الصعبة:
السعودية تحتاج إلى ضمانات، ولبنان يحتاج إلى الأسواق.
والطريق بين الطرفين لا يُفتح بالتصريحات وحدها، بل بإجراءات جمركية وأمنية وتجارية قابلة للقياس.
من المصنع إلى الخليج.. الفرصة أكبر من شحنة
إذا نجحت التجربة واستقرت حركة التصدير، فإن التأثير لن يتوقف عند الشاحنات التي تعبر المصنع.
زيادة الصادرات تعني دخول عملات أجنبية إلى الاقتصاد اللبناني، وتحريك القطاع الزراعي، وتنشيط النقل البري، ورفع الطلب على خدمات التخزين والتوضيب والتبريد، وتحفيز الصناعات الغذائية المرتبطة بالإنتاج الزراعي.
كما أن استعادة الأسواق العربية قد تمنح المنتج اللبناني فرصة لاستعادة جزء من قدرته التنافسية، بعد سنوات من الأزمات المالية والسياسية والأمنية التي ضربت سلاسل الإنتاج والتصدير.
لكن ذلك كله يبقى مشروطاً بقدرة الدولة على حماية هذه النافذة الجديدة من الفوضى والتهريب والفساد.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد تشغيل السكانر
إعادة تشغيل السكانر خطوة مهمة، لكنها ليست النهاية.
فالاختبار الحقيقي سيكون في استمرارية العمل، سرعة إنجاز المعاملات، شفافية التفتيش، سلامة الشحنات، انتظام حركة الشاحنات، ومنع أي عمليات تهريب يمكن أن تعيد إغلاق الأسواق العربية أمام المنتجات اللبنانية.
كما أن نجاح المسار يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الزراعة والجمارك والنقل والاقتصاد والأمن والقطاع الخاص، لأن الأسواق الدولية لا تمنح الثقة مرة واحدة؛ بل تبنيها شحنة بعد شحنة.
المصنع بوابة إنقاذ.. إذا أحسن لبنان استثمار الفرصة
من المصنع، تبدو الصورة أكبر من جهاز سكانر عاد إلى الخدمة.
إنها محاولة لإعادة وصل الاقتصاد اللبناني بالعمق العربي، وإعادة فتح نافذة أمام المزارع والتاجر والصناعي وقطاع النقل، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى كل دولار يدخل اقتصاده وكل سوق يمكن استعادتها.
لكن الفرصة السعودية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد مناسبة احتفالية أو صورة عند الحدود.
المطلوب أن تتحول عودة التصدير إلى سياسة اقتصادية مستدامة: حدود مضبوطة، جمارك فعالة، إنتاج مطابق للمواصفات، نقل آمن، وقرار سياسي يحمي الانفتاح العربي.
فإذا نجح لبنان في ذلك، قد تصبح شاحنة المصنع الأولى التي تتجه نحو السعودية بداية طريق اقتصادي جديد، لا مجرد رحلة تصدير عابرة.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات الاقتصادية









اترك تعليقًا