سلام من الجنوب: الدولة الواحدة تبدأ من الجنوب.. والجيش عنوان السيادة
جنوب لبنان _ ميديا برس ليبانون | في زيارة حملت أكثر من رسالة سياسية وعسكرية ووطنية، وصل رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام إلى ثكنة بنوا بركات في صور، بحضور وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى، في مشهد بدا واضح الدلالة على تمسّك السلطة التنفيذية بتثبيت حضور الدولة في الجنوب، وتعزيز دور الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الشرعية الوحيدة المخوّلة حماية الأرض وصون السيادة.
الزيارة، التي رافقه خلالها الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء الركن محمد المصطفى، شهدت مراسم استقبال عسكرية ووضع إكليل من الزهر على نصب شهداء الجيش، قبل عقد لقاء مع ضباط قطاع جنوب الليطاني والاستماع إلى إيجاز حول المهمة الميدانية والتحديات القائمة في المنطقة.
سلام: كل موقع للجيش هو موقع تستعيد فيه الدولة سيادتها
رئيس الحكومة نواف سلام اختار من الجنوب أن يوجّه رسالة سياسية مباشرة، مؤكداً أن وجود الجيش في المنطقة لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمثل حضور الدولة نفسها.
وقال إن الجنوب، كما سائر الأراضي اللبنانية، يجب أن يكون تحت سلطة الدولة الواحدة، مشدداً على أن المواطن يجب أن يشعر بالأمان لأن لديه جيشاً يحميه، وأن قرار الحرب والسلم يجب أن يعود إلى الدولة ومؤسساتها الدستورية.
وربط سلام بين استعادة السيادة وبناء الدولة القادرة، معتبراً أن الدولة لا يمكن أن تكون قوية من دون جيش موحّد وقادر، وأن تعزيز المؤسسة العسكرية ليس بنداً ثانوياً في برنامج الحكومة، بل خيار استراتيجي في صلب مشروع استعادة الدولة.
وفي إشارة ذات دلالة إلى فلسفة بناء الدولة، استعاد سلام مقولة الرئيس الراحل فؤاد شهاب بأن الاستقلال الحقيقي “يُبنى”، ليؤكد أن السيادة بدورها لا تُمنح ولا تُستعاد بالشعارات، بل تُبنى من خلال مؤسسات قوية وقرار دستوري موحّد.
لا سلاح خارج الدولة.. ولا قرار فوق المؤسسات
الأكثر وضوحاً في خطاب سلام كان تأكيده على ضرورة حماية وحدة الجيش من الانقسامات السياسية والطائفية، داعياً العسكريين إلى جعل الدستور والقانون مرجعيتهم الوحيدة.
وشدد على أن لبنان، رغم تعدد انتماءاته السياسية والطائفية، لا يملك ترف تعدد الجيوش أو مراكز القرار، معتبراً أن الخروج من أزمات البلاد يبدأ من معادلة واضحة: جيش واحد، وعلم واحد، ودولة واحدة.
كما وضع سلام ملف شهداء الجيش في سياق أوسع من المؤسسة العسكرية، معتبراً أنهم شهداء الوطن بأكمله، وأن الوفاء الحقيقي لتضحياتهم يكون ببناء دولة لا ينازعها أحد سلطتها على أرضها، ولا يعلو فيها سلاح على سلاح الجيش، ولا إرادة داخلية أو خارجية على إرادة المؤسسات الدستورية.
منسى: الهدف الأول استعادة السيادة والانسحاب الإسرائيلي الكامل
من جهته، حمل وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى خطاباً أكثر مباشرة في توصيف المهمة السياسية والأمنية للمرحلة.
وأكد أن زيارة الجنوب ليست مجرد جولة تفقدية، بل رسالة تثبيت للموقف الرسمي اللبناني الداعي إلى استعادة سيادة الدولة على كامل أراضيها، وصولاً إلى “آخر شبر” من أرض الجنوب، وتحقيق الانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي.
ورأى منسى أن المفاوضات التي دخلها لبنان تمثل السبيل الأفضل والمتاح للخروج من الحرب، مشدداً في الوقت نفسه على أن الهدف النهائي يبقى استعادة سلطة الدولة المطلقة على كامل أراضيها، بحيث لا يكون هناك شريك أو منازع في قرار الحرب والسلم، ولا يكون السلاح إلا في يد الدولة.
وبذلك، وضع وزير الدفاع مهمة الجيش في إطار أوسع يتجاوز الانتشار العسكري، ليجعل من المؤسسة العسكرية ركيزة أساسية في مشروع استعادة القرار السيادي للدولة.
الجنوب بين الأمن وإعادة الإعمار
سلام لم يحصر عودة الدولة إلى الجنوب بالانتشار العسكري، بل ربطها بعودة مؤسسات الدولة إلى حياة المواطنين.
فالدولة، بحسب مقاربته، يجب أن تعود إلى الجنوب بالمدرسة والمستشفى والطريق والكهرباء والمياه والإدارة والقضاء وفرص العمل، إلى جانب إعادة الإعمار.
وهذه المعادلة تعكس إدراكاً رسمياً بأن تثبيت الاستقرار لا يمكن أن يكون أمنياً فقط، إذ إن المناطق المتضررة تحتاج إلى مسار متكامل يعيد إليها الخدمات وفرص العمل ويؤمّن عودة السكان إلى قراهم وبلداتهم بكرامة وأمان.
الجيش في مواجهة الاختبار الأصعب
أما قائد قطاع جنوب الليطاني العميد الركن نيكولا تابت، فأكد أن الجيش يواصل أداء مهمته في واحدة من أكثر المراحل حساسية، في ظل استمرار الاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية وما خلّفته من دمار وأعباء إنسانية.
وشدد على أن انتشار الجيش ليس مجرد وجود عسكري، بل تعبير عن حضور الدولة والتزامها بأهل الجنوب، مؤكداً أن المؤسسة العسكرية ستواصل أداء واجبها في حماية المواطنين وصون السيادة، بالتعاون مع السلطات الشرعية والقوى الدولية العاملة في المنطقة.
الجنوب بوابة اختبار الدولة
تحمل زيارة سلام ومنسى إلى الجنوب أكثر من عنوان بروتوكولي. فهي تأتي في لحظة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المواجهة الميدانية مع المسار التفاوضي، ويتداخل ملف الانسحاب الإسرائيلي مع مستقبل القرار السيادي اللبناني.
ومن ثكنة بنوا بركات، حاولت الحكومة تثبيت معادلة سياسية واضحة: الجنوب جزء من الدولة، والجيش عنوان حضورها، والسيادة لا تكتمل إلا بقرار واحد وسلاح شرعي واحد ومؤسسات دستورية قادرة.
لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذه العناوين إلى واقع ميداني وسياسي وإنمائي؛ فالسيادة التي تحدّث عنها سلام ومنسى لا تُقاس فقط بعدد الجنود المنتشرين على الأرض، بل بقدرة الدولة على حماية حدودها، فرض قوانينها، تأمين عودة أهل الجنوب، إعادة إعمار ما تهدّم، واستعادة قرارها الكامل في الحرب والسلم.
ومن هنا، يبدو أن الجنوب يتحول مجدداً إلى الاختبار الأوضح لمشروع الدولة اللبنانية: هل تنجح المؤسسات في تثبيت حضورها الكامل، أم تبقى السيادة عنواناً سياسياً ينتظر ترجمة ميدانية؟.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي











اترك تعليقًا