دريان يرفع سقف الموقف السياسي: دار الفتوى تحت مظلة الدولة ورفض الانقسام حول السلم والحرب

دريان يرفع سقف الموقف السياسي: دار الفتوى تحت مظلة الدولة ورفض الانقسام حول السلم والحرب


بيروت – ميديا برس ليبانون _ في احتفال المولد النبوي الشريف، لم تقتصر كلمة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان على البعد الديني، بل تحولت إلى رسالة سياسية واضحة في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، اختلطت فيها تداعيات الحرب والعدوان الإسرائيلي بملفات سيادة الدولة وصلاحياتها، بالتوازي مع تصاعد السجال الداخلي حول القرار الوطني في السلم والحرب.

ومن على منبر مسجد محمد الأمين في وسط بيروت، بحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ورؤساء حكومات سابقين ووزراء ونواب وشخصيات دينية وسياسية، وضع دريان دار الفتوى في موقع داعم للعهد والحكومة، معلناً صراحة: “نحن مع هذا الرئيس وهذا العهد، وهذه الحكومة ورئيسها” في مساعي وقف العدوان، وتحرير الأرض، وفرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

من المولد النبوي إلى السياسة: رسالة تتجاوز المناسبة

أقيم الاحتفال بدعوة من المديرية العامة للأوقاف الإسلامية، وسط حضور ديني وسياسي واسع، واستهل بتلاوة من القرآن الكريم، تلتها السيرة النبوية، قبل أن ينتقل المفتي دريان إلى خطاب حمل في مضامينه قراءة سياسية للمرحلة أكثر من كونه كلمة احتفالية تقليدية.

فدريان ربط بين رسالة النبي محمد القائمة على التواضع والصبر والحكمة، وبين الواقع اللبناني الراهن، مستحضراً تجربة صلح الحديبية للدلالة على أن المهادنة ووقف الحرب قد يكونان في لحظات معينة أكثر صعوبة وشجاعة من خوضها.

وهنا تكمن إحدى أبرز الرسائل السياسية في الخطاب: فدار الفتوى لا تقدم خيار وقف الاعتداءات الإسرائيلية باعتباره تراجعاً، بل تضعه في إطار القرار الحكيم الذي يحمي المجتمع والدولة ويمنع استمرار الاستنزاف.

دعم واضح للعهد والحكومة… ورسالة في ملف السلاح

العبارة الأكثر دلالة سياسياً كانت إعلان المفتي أن دار الفتوى تقف إلى جانب رئيس الجمهورية والحكومة ورئيسها في مساعي “فرض سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية”.

هذا الموقف لا ينفصل عن واحد من أكثر الملفات حساسية في لبنان، أي مسألة حصرية القرار السيادي والعسكري بيد الدولة، خصوصاً في ظل النقاش المتصاعد حول صلاحيات المؤسسات الدستورية وقرار السلم والحرب.

واللافت أن دريان لم يذهب إلى خطاب تصعيدي تجاه أي طرف داخلي، بل اختار صياغة سياسية أكثر اتزاناً، تقوم على تثبيت مرجعية الدولة من دون تحويل دار الفتوى إلى طرف في الانقسام.

وهذه المعادلة تبدو مقصودة: دعم الدولة لا يعني، في خطاب دريان، فتح مواجهة داخلية، بل حماية المظلة الدستورية التي يفترض أن تحتضن الخلافات اللبنانية وتمنع تحولها إلى صراع أهلي جديد.

“لا أحد منا يريد هذه الأجواء”… إنذار مبكر من الانقسام

في أكثر مقاطع الخطاب وضوحاً، رفض المفتي دريان الأجواء الانقسامية التي تحيط بالنقاش الوطني، مؤكداً أن اللبنانيين لا يريدون العودة إلى مناخات الانقسام، ولا سيما في الملفات المرتبطة بهيبة الدولة وصلاحياتها في السلم والحرب ومستقبل لبنان.

هذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة لأنها صدرت عن المرجعية الدينية السنية الأعلى، وفي حضور رئيس الحكومة ورؤساء حكومات سابقين وعدد من القيادات والشخصيات السياسية.

فدار الفتوى، وفق هذا الطرح، تريد أن تكون عامل ضبط سياسي ومؤسساتي لا منصة لتوسيع الاصطفافات، خصوصاً أن أي انقسام داخل الطائفة السنية أو بين الرئاسات والمؤسسات قد ينعكس مباشرة على التوازن السياسي اللبناني.

الرئاسات الثلاث: خط أحمر في خطاب دار الفتوى

لم يكتفِ دريان بإعلان دعم رئاسة الحكومة، بل ذهب أبعد من ذلك بالتأكيد أن استهداف رئاسة الحكومة هو استهداف للوطن بكل طوائفه، كما رفض استهداف أي من الرئاستين الأولى والثانية.
وهنا تنتقل الرسالة من الدفاع عن موقع طائفي إلى الدفاع عن الصيغة الدستورية للتوازن اللبناني.
فالتنسيق بين الرئاسات الثلاث، كما عبّر عنه دريان، ليس تفصيلاً سياسياً، بل شرطاً للخروج من الأزمات المتراكمة. وفي خلفية هذا الكلام، تبدو دار الفتوى حريصة على منع تحويل الخلاف السياسي إلى صراع حول مواقع الطوائف أو الصلاحيات الدستورية.

ملف المرفأ… اختبار ثانٍ لـ”العهد الجديد”

وفي نقطة أخرى لا تقل أهمية، وضع دريان ملف انفجار مرفأ بيروت في صلب حديثه عن العدالة والدولة، معتبراً أن اللبنانيين ينتظرون عدالة تعيد شيئاً من السكينة إلى قلوب المتضررين.

لكن الأهم أنه ربط هذا الملف بمفهوم “الجديد” الذي تحدث عنه في سياق العهد والحكومة، في إشارة إلى أن التغيير لا يمكن أن يكتمل إذا بقيت الملفات الوطنية الكبرى معلقة.

وبذلك، يضع خطاب دار الفتوى السلطة أمام اختبارين متوازيين: حماية لبنان من الحرب، وإعادة بناء الثقة الداخلية من خلال معالجة الملفات العالقة وفي مقدمها قضية المرفأ.

الرسالة الإقليمية: سورية والسعودية في قلب التحول

الشق الإقليمي من الخطاب حمل أيضاً دلالات سياسية واضحة. فقد أعلن دريان دعمه لما وصفه بـ”الجديد” في العلاقة مع سورية، بالتوازي مع الإشادة بتوثيق العلاقات مع المملكة العربية السعودية.

وهذه الإشارة ليست عابرة في البيئة السياسية اللبنانية، إذ تعكس توجهاً نحو إعادة ترتيب العلاقات العربية للبنان، وخصوصاً مع دمشق والرياض، ضمن مقاربة تقوم على المصالح الوطنية والاستقرار الإقليمي.

كما أشار إلى التحالف الدفاعي الجديد مع تركيا وباكستان، واضعاً هذه التطورات في إطار أوسع يتعلق بأمن العالمين العربي والإسلامي وموقعهما في النظام الإقليمي المتغير.

دار الفتوى تدافع عن استقلاليتها

وفي القسم الأكثر حساسية داخلياً، انتقل دريان إلى ما وصفه بالاستقطابات المحيطة بدار الفتوى، رافضاً إدخالها في التجاذبات السياسية والطائفية.
وأكد أن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى هو صاحب صلاحيات واضحة، داعياً إلى التعامل مع المؤسسة الدينية بمنطق يحفظ استقلاليتها ويبعدها عن الانقسامات.

وهنا يمكن قراءة موقف دريان على مستويين: الأول، حماية المرجعية الدينية من التوظيف السياسي؛ والثاني، منع انتقال الانقسامات السياسية إلى داخل البنية السنية نفسها.

فالدار، بحسب الخطاب، تريد أن تبقى مظلة جامعة لا ساحة صراع نفوذ، خصوصاً في مرحلة تتداخل فيها ملفات الدولة والسلاح والحرب والعلاقات الخارجية مع التوازنات الطائفية اللبنانية.

الحديبية كرسالة سياسية: السلام ليس استسلاماً

اختيار دريان لتجربة الحديبية لم يكن تفصيلاً خطابياً. فاستحضارها في هذا التوقيت يوجه رسالة مباشرة إلى الداخل والخارج: وقف الحرب لا يعني بالضرورة التخلي عن الحقوق، كما أن التسوية قد تكون أحياناً مدخلاً إلى مرحلة جديدة.
ومن هنا، جاء تشديده على “شجاعة الأمل” و”شجاعة السلم”، في مقابل التحذير من الاستمرار في دوامة الأفعال وردود الأفعال.

هذه المقاربة تعكس موقفاً واضحاً من المرحلة: لبنان المنهك اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً لا يستطيع تحمل حرب مفتوحة جديدة، ولا يستطيع في الوقت نفسه أن يتعامل مع وقف الاعتداءات باعتباره مجرد تنازل سياسي.

دار الفتوى تختار الدولة… ولكن من دون كسر التوازن

لم يكن خطاب المفتي دريان في ذكرى المولد النبوي مجرد استذكار للسيرة النبوية، بل حمل رسائل سياسية متعددة الاتجاهات: دعم العهد والحكومة، تأييد مساعي وقف العدوان، التشديد على سلطة الدولة، رفض الانقسام الداخلي، حماية الرئاسات الثلاث، والدفاع عن استقلال دار الفتوى.

والرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من مجمل الخطاب أن دار الفتوى تحاول تثبيت موقعها كمرجعية وطنية تتجاوز الاصطفاف الطائفي، من دون التخلي عن دورها في الدفاع عن صلاحيات المؤسسات وموقع رئاسة الحكومة.

وفي بلد يقف عند تقاطع الحرب والتسويات، يبدو أن معركة المرحلة المقبلة لن تكون فقط حول من يملك السلاح، بل حول من يملك قرار الحرب والسلام، وكيف يمكن إعادة إنتاج التوافق الوطني من دون إعادة إنتاج الانقسامات التي أنهكت لبنان.

ومن مسجد محمد الأمين، جاءت رسالة دريان واضحة: الدولة هي المظلة، والرئاسات يجب أن تتكامل، والسلام يحتاج إلى شجاعة، أما الانقسام الداخلي فليس خياراً يمكن للبنان أن يتحمل كلفته مجدداً.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا