قبلان في المولد النبوي: من خطاب الرحمة إلى مواجهة «اللعبة الأميركية» في لبنان
المفتي قبلان يرفع سقف المواجهة السياسية: لا وحدة وطنية بلا عدالة تمثيلية وسياسية، ولا سيادة لبنانية مع «تطويب البلد» لواشنطن وتل أبيب
ميديا برس ليبانون _ في مناسبة يفترض أن تكون عنواناً للرحمة والتلاقي، اختار المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان أن يوجّه رسالة سياسية شديدة اللهجة، نقل فيها مناسبة ولادة النبي محمد (ص) من إطارها الديني إلى مساحة أوسع تتصل بمفهوم الدولة والعدالة والسيادة والتمثيل السياسي، واضعاً الطبقة السياسية أمام ما وصفه بـ«جرد المسؤوليات التاريخية».
كلام قبلان، الذي جاء خلال استقباله وفوداً شعبية في دار الإفتاء الجعفري، لم يكن مجرد موقف ديني في مناسبة المولد، بل حمل قراءة سياسية للمرحلة اللبنانية والإقليمية، مع تركيز خاص على الجنوب وعلاقة لبنان بالولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى ما يعتبره المفتي اختلالاً في المعادلة الوطنية الداخلية.
المولد بوابة إلى السياسة
انطلق قبلان من مفهوم الرسالة النبوية باعتبارها مشروعاً للرحمة والعدل ومواجهة الظلم والاستبداد، لينقل هذا المفهوم إلى الواقع اللبناني، معتبراً أن لبنان يعيش «محنة التاريخ» في ظل الانقسام والشحن السياسي والتجاذبات الإقليمية والدولية.
وفي هذه القراءة، لا يرى قبلان الأزمة اللبنانية منفصلة عن التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، بل يعتبر أن البلاد تقف أمام مخاض إقليمي ودولي جديد، الأمر الذي يحتّم، برأيه، تعزيز التضامن الداخلي والتنسيق الوطني وحماية مفهوم السيادة.
لكن اللافت أن المفتي لم يكتفِ بتوصيف الأزمة، بل سمّى بصورة مباشرة الجهات التي يرى أنها تدفع لبنان في اتجاه سياسي خطير، متحدثاً عن «لعبة أميركية» وعن محاولة لـ«صهينة البلد»، ومحمّلاً السلطة التنفيذية مسؤولية ما اعتبره تراجعاً في الموقف السيادي، ولا سيما في ما يتعلق بالجنوب.
الجنوب في قلب الرسالة
الجنوب شكّل العنوان الأكثر حساسية في خطاب قبلان. فقد اعتبر أن ما يسميه «اتفاق الإطار» بات، وفق رؤيته، أداة تسمح لإسرائيل بمواصلة الضغط والتدمير في القرى الحدودية، منتقداً أداء السلطة التنفيذية ومتهماً إياها بالتخلي عن دورها الوطني في الدفاع عن مصالح لبنان وسيادته.
وتأتي هذه المواقف في لحظة شديدة التعقيد، حيث يتداخل الملف اللبناني مع الحسابات الإقليمية والدولية، فيما يبقى الجنوب نقطة تماس مفتوحة على احتمالات متعددة.
ومن هنا، يبدو أن رسالة قبلان لا تستهدف فقط السياسة الحكومية، بل تعترض على المسار الذي يمكن أن يقود إليه التعامل الرسمي مع المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا تحوّل أي تفاهم أمني أو سياسي إلى واقع دائم يفرض معادلات جديدة على الأرض.
رسالة إلى الداخل الشيعي… وإلى الشركاء اللبنانيين
في الجزء الأكثر وضوحاً من خطابه الداخلي، انتقل قبلان إلى الحديث عن الطائفة الشيعية، معتبراً أنها تحملت، بحسب تعبيره، أثماناً وتضحيات كبيرة على مدى عقود، وأن المطلوب اليوم «إنصافها».
وهنا تتجاوز الرسالة حدود الدفاع عن مكوّن لبناني إلى طرح مسألة العدالة السياسية والتمثيلية باعتبارها شرطاً لاستقرار الصيغة اللبنانية.
ولهذا ركّز قبلان على أن المعركة، في نظره، ليست معركة طائفية، بل معركة «حق وطني لا طائفي»، داعياً إلى التلاقي بدلاً من الانقسام، ومحمّلاً مختلف القوى السياسية مسؤولية ما وصفه بـ«الانتحار السياسي».
مواجهة سياسية تحت عنوان السيادة
الأكثر دلالة في خطاب المفتي كان استخدامه عبارات سياسية عالية السقف، من قبيل «القتل السياسي» و«التبعية» و«تطويب البلد لواشنطن وتل أبيب».
هذه العبارات تعكس أن الخلاف لم يعد، وفق قراءة قبلان، محصوراً في تفاصيل إدارية أو سياسية داخلية، بل أصبح متعلقاً باتجاه لبنان نفسه: هل يبقى قرار الدولة محكوماً بأولوية المصلحة الوطنية اللبنانية، أم يصبح جزءاً من ترتيبات إقليمية ودولية أوسع؟.
وفي هذا السياق، حاول قبلان إعادة صياغة المعادلة من زاوية مختلفة: المطلوب لبنانياً ليس الانحياز إلى محور في مواجهة محور، بل تثبيت السيادة والعدالة والتمثيل الوطني باعتبارها قاعدة لأي تسوية.
ما وراء الخطاب: رسائل متعددة الاتجاهات
يمكن قراءة موقف قبلان على ثلاثة مستويات متوازية.
الأول، رسالة إلى السلطة التنفيذية مفادها أن أي مقاربة للجنوب أو للملف السيادي لا تحظى بغطاء وطني جامع ستبقى موضع اعتراض، ولا سيما من البيئة الشيعية.
الثاني، رسالة إلى القوى السياسية اللبنانية بأن تجاوز هواجس الطائفة الشيعية أو التعامل معها باعتبارها مجرد ملف أمني لن يؤدي، وفق هذا المنظور، إلا إلى تعميق الانقسام الداخلي.
أما الثالث، فهو رسالة إقليمية تؤكد أن أي إعادة ترتيب للمنطقة لا يمكن، بحسب قبلان، أن تنجح إذا جاءت على حساب لبنان أو من دون أخذ توازناته الداخلية بعين الاعتبار.
المولد كعنوان للتسوية لا للمواجهة
ورغم اللهجة التصعيدية، اختتم قبلان خطابه بالدعوة إلى الوحدة والتضامن، واضعاً مناسبة ولادة النبي محمد (ص) في إطار جامع يتجاوز الانقسامات.
لكن مفهوم الوحدة الذي طرحه لم يكن وحدة شكلية، بل ربطها مباشرة بالعدالة السياسية والتمثيلية والسيادية، معتبراً أن «لا وحدة وطنية في لبنان بلا عدالة تمثيلية وسياسية».
وهنا تكمن خلاصة خطابه: التهدئة، بالنسبة إليه، لا تعني إسكات الخلافات، بل معالجة أسبابها؛ والوحدة لا تعني تجاوز الهواجس، بل الاعتراف بها؛ والسيادة لا تكتمل من دون قرار لبناني مستقل.
التسوية…
خطاب الشيخ أحمد قبلان في ذكرى المولد النبوي حمل أكثر من رسالة تهنئة. إنه موقف سياسي متكامل يعيد وضع الجنوب والتمثيل الشيعي وعلاقة لبنان بالخارج في قلب النقاش الوطني.
وبينما يرفع المفتي عنوان «الرحمة النبوية»، فإنه يضع السلطة والقوى السياسية أمام سؤال بالغ الحساسية: هل يستطيع لبنان إنتاج تسوية داخلية تحفظ وحدته وسيادته وتمثيل مكوّناته، أم أن الانقسام الداخلي سيبقى الباب الذي تعبر منه المشاريع الإقليمية والدولية؟
في لحظة إقليمية شديدة السيولة، تبدو رسالة قبلان أقرب إلى إنذار سياسي منها إلى خطاب مناسبة: المرحلة المقبلة، وفق قراءته، لن تحتمل إدارة الأزمات بالطريقة التقليدية، لأن أي خلل في التوازن الداخلي قد يتحول إلى أزمة وطنية مفتوحة.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم السياسة والتحليل



اترك تعليقًا