أميركا ولبنان وMTV وا_ل_م_ق_ا_و_م_ة: من يعرقل اتفاق الإطار؟

■ الدكتور انطون حداد

ميديا برس ليبانون _ لم تكن المقابلة التي استضاف فيها برنامج فادي السياسي على شاشة MTV الدبلوماسي الأميركي إدوارد غبريال، رئيس شركة ATFL، مجرد نقاش حول اتفاق الإطار أو مسألة سلاح حزب الله، بل حملت في طياتها مجموعة من الرسائل السياسية التي تستحق التوقف عندها، ولا سيما في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية وتعقّد ملف عودة النازحين ومستقبل الجنوب ولبنان عموماً.

قال غبريال، رداً على سؤال حول الجهة التي تعرقل تنفيذ الاتفاق، إن إسرائيل لم تلتزم بصورة كاملة بما تم الاتفاق عليه، وإن استمرار الغارات والخروقات يعرقل عمل الجيش اللبناني ويجعل عودة النازحين أكثر صعوبة. فكيف يمكن مطالبة الأهالي بالعودة إلى قرى وبلدات لا تزال معرضة للقصف، في ظل غياب التجهيزات والمساعدات والآليات الضرورية لتأمين عودة آمنة ومستقرة؟

ومن هنا، تبرز أولوية الإسراع في تأمين مستلزمات العودة، بالتوازي مع تشديد الضغط على إسرائيل لوقف خروقاتها. فالمعادلة التي يطرحها حزب الله واضحة: لا يمكن الانتقال إلى مرحلة تسليم السلاح في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعدم اكتمال شروط الأمن والاستقرار.

لكن السؤال الذي طرحه فادي كان أكثر مباشرة: أليس حزب الله، برفضه الاتفاق وعدم تسليم سلاحه، هو الذي يعرقل تنفيذ اتفاق الإطار؟

هنا دخل النقاش في صلب الإشكالية. فقد رأى الصحافي سام منسى أن الجيش اللبناني مقصّر لعدم إنشائه لجنة تنسيق ميداني مباشرة مع الجيش الإسرائيلي، ليقاطعه غبريال موضحاً أن الجيش اللبناني يجلس مع الإسرائيليين في روما. إلا أن منسى عاد ليؤكد أن النقاش المطلوب هو في الجنوب وليس في روما.

وعندما سأل فادي عن مسألة التسليح والتجهيز، وما إذا كانت المشكلة مرتبطة فعلاً بنقص إمكانات الجيش أم بالإرادة السياسية لتنفيذ الاتفاق، كان جواب غبريال لافتاً. فقد أكد أنه مقتنع بوجود الإرادة، وأن الأميركيين واللبنانيين يعرفون ما يحتاج إليه الجيش، لكنه طرح السؤال الأكثر إحراجاً: إذا كانت إسرائيل نفسها لم تستطع نزع سلاح حزب الله، فكيف يستطيع الجيش اللبناني القيام بذلك، فيما إسرائيل لا تزال تقصف الأراضي اللبنانية؟

وهنا انتقل النقاش إلى السؤال الأصعب: هل المطلوب مواجهة عسكرية لنزع السلاح؟ وما هو دور الرئيس نبيه بري في هذه المعادلة؟

بحسب ما ورد في النقاش، فإن مرحلة سابقة من الحرب شهدت عودة قسم كبير من السكان إلى الجنوب واستئناف العمل في مناطق عدة، قبل أن تعيد الجولة اللاحقة من التصعيد خلط الأوراق. وبالتالي، فإن أي عملية لنزع السلاح لن تكون سهلة، ولن تتم من دون دعم دولي وإقليمي، وهو ما أشار إليه غبريال عندما تحدث عن الجهود الأميركية المبذولة في هذا الاتجاه.

أما توفيق بعقليني، رئيس مجلس إدارة ATPL، فرأى أن تنفيذ اتفاق الإطار، بما في ذلك البحث في نوع السلاح، يحتاج إلى وقت طويل، معتبراً أن لبنان يحتاج إلى حماية دولية، وأن الأمل يبقى معقوداً على الرؤساء وعلى إمكانية الوصول إلى صيغة تحمي لبنان، لا الجنوب وحده. وفي هذا السياق، شدد على أن المطلوب حماية شاملة لكل لبنان، فيما اعتبر غبريال أن الأمم المتحدة تعرف طبيعة هذه الملفات.

واللافت أن غبريال شدد على ضرورة إنجاز المسار قبل الانتخابات الإسرائيلية، داعياً إلى التوقف عند الأخطاء الإسرائيلية ووقف العمليات العسكرية. وهذه النقطة تحديداً تفتح الباب أمام سؤال أساسي: إذا كان استمرار القصف الإسرائيلي عاملاً معرقلاً، فلماذا يجري اختزال المشكلة دائماً في سلاح حزب الله؟

هل بري يضيّع الوقت؟

انتقل فادي إلى سؤال أكثر حدة، سائلاً غبريال بصراحة عما إذا كان الرئيس نبيه بري يمارس لعبة تضييع الوقت والمناورة.

وكان جواب الدبلوماسي الأميركي مختلفاً عن فرضية السؤال. فقد قال، بصورة مباشرة، إن بري أو مساعديه لا يرغبون في فشل العملية، وإن بري يرغب بالتأكيد في إنجاز ملف تبادل الأسرى. أما في ما يتعلق بقدرته على الضغط على حزب الله للتعاون مع الدولة في مسألة السلاح، فرأى غبريال أن بري يريد مساعدة البيئة الشيعية، وأن العقدة الأساسية ترتبط بإيران.

ومن هنا تتوسع المسألة من الجنوب إلى مستقبل لبنان كله. فبحسب غبريال، فإن الأولوية الأميركية لا تنحصر في الجنوب، بل تشمل المحافظة على المؤسسات والمرافق والمناطق التي تقع خارج نفوذ ح_ز_ب الله.

وعندما سأل فادي عن تداعيات عدم الحسم مع إيران، رأى سام منسى أن على السلطة اللبنانية ألا تفشل في السيطرة على المناطق الخارجة عن نفوذ ح_ز_ب الله، خشية تمدد الفوضى واستعمال إيران لوكلائها في المنطقة، خصوصاً بعد انشغالها بملفات العراق واليمن وغيرها.

لكن السؤال الأوسع بقي قائماً: ماذا تبقى من لبنان إذا تحول الصراع على السلاح إلى صراع على بنية الدولة نفسها؟ وهل تشجع الولايات المتحدة على نزع السلاح من الجميع؟

أجاب غبريال بأن اتفاقية الرابع والعشرين من يوليو تنص على ذلك، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تستطيع انتظار ما ستؤول إليه الحرب مع إيران لتحدد موقفها. وفي المقابل، دعا الدولة اللبنانية إلى الضغط على الولايات المتحدة وغيرها، والمطالبة بحاجاتها حتى تتمكن من القيام بدورها.

أما بعقليني، فاعتبر أن هذه قد تكون الفرصة الأخيرة لإنقاذ لبنان وإعادته إلى ما كان عليه، لكنه بدا متشائماً ما لم يحصل تطور عسكري إيراني يمكن أن يساعد في تغيير المعادلة.

في المقابل، أبدى غبريال تفاؤلاً بالتزام الولايات المتحدة تجاه لبنان، مشيراً إلى أن نجاح الاتفاق يحتاج إلى تعاون ثلاثة أطراف.

بين ما قيل على الشاشة وما غاب عنها

من هذه المقابلة يمكن استشفاف قراءة تتجاوز مضمون الأسئلة والأجوبة، خصوصاً في ما يتعلق بالطريقة التي تناولت بها MTV ملف المقاومة وسلاح ح_ز_ب الله.

فالانطباع الذي يخرج به المتابع هو أن الخطاب الإعلامي المعتمد لدى المحطة يميل، في كثير من الأحيان، إلى وضع المقاومة في موقع المتهم الأول بإفشال أي اتفاق، مع تهميش السؤال المقابل: ماذا عن إسرائيل؟ وماذا عن الخروقات اليومية؟ وماذا عن استمرار الاحتلال أو العمليات العسكرية؟

وهنا تحديداً تكمن المشكلة في محاولة تحويل النقاش من سؤال الالتزام المتبادل إلى سؤال أحادي الاتجاه: لماذا لا يسلم حزب الله سلاحه؟

فإذا كان الضيف الأميركي نفسه يقول إن إسرائيل لم تستطع نزع سلاح الحزب بالقوة، وإنها لا تزال تقصف، وإن الجيش اللبناني يحتاج إلى تجهيزات وقدرات ودعم دولي، فكيف يمكن اختزال الأزمة كلها في قرار لبناني واحد؟.

المفارقة أن إسرائيل، بحسب تصريحات متكررة لمسؤولين فيها، ربطت انسحابها الكامل من لبنان بمجموعة من الشروط، بينها نزع سلاح ح_ز_ب الله وتفكيك بنيته العسكرية وتسليم خرائط الأنفاق. وهذه شروط تجعل الاتفاق، عملياً، مفتوحاً على مفاوضات لا تنتهي، خصوصاً إذا لم يكن هناك جدول زمني واضح وآلية دولية ملزمة لتنفيذ الالتزامات من الجانبين.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل المشكلة في الاتفاق نفسه، أم في غياب آلية تلزم جميع الأطراف بتنفيذه؟

نتنياهو والانتخابات الإسرائيلية

المفارقة الأبرز في الحوار أن غبريال نفسه أشار إلى ضرورة إنجاز المسار قبل الانتخابات الإسرائيلية، ما يعني أن العامل الإسرائيلي الداخلي ليس تفصيلاً هامشياً.

فإذا كان رئيس الحكومة الإسرائيلية قادراً على استخدام التصعيد العسكري كورقة سياسية وانتخابية، فإن استمرار الحرب أو الخروقات لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل.

وهنا يصبح من المشروع طرح السؤال: لماذا يُطلب من لبنان تقديم تنازلات فورية، فيما تستطيع إسرائيل استخدام الوقت والحرب والميدان لإعادة صياغة شروط التفاوض؟

إن أي اتفاق لا يقوم على التزامات متوازنة سيبقى معرضاً للانهيار، خصوصاً إذا امتلك طرف القدرة على تغيير الوقائع الميدانية بالقوة.

من يضمن لبنان الغد؟

السؤال الأخطر لا يتعلق فقط بسلاح ح_ز_ب الله، ولا بانسحاب إسرائيل، ولا حتى باتفاق الإطار. السؤال الأبعد هو: على أي أساس سيُبنى لبنان الغد؟

هل المطلوب إنتاج مواجهة داخلية جديدة بين الدولة وا_لم_ق_ا_و_م_ة؟ أم إيجاد صيغة لبنانية ـ لبنانية تضع حماية السيادة ووقف الاعتداءات وإعادة الإعمار وعودة النازحين ضمن سلّم واحد من الأولويات؟

إن تحويل الخلاف حول السلاح إلى مواجهة طائفية أو سياسية شاملة لن يؤدي إلا إلى إضعاف لبنان، فيما يبقى الخطر الحقيقي في أن يتحول الانقسام الداخلي إلى ورقة تستخدمها القوى الخارجية في صراعاتها الإقليمية.

والأخطر من ذلك هو أن يتحول الإعلام من مساحة للنقاش والمساءلة إلى طرف في الصراع، بحيث يصبح المطلوب من المشاهد أن يتبنى رواية واحدة قبل أن يسمع الرواية المقابلة.

فإذا كان المطلوب فعلاً إنقاذ لبنان، فإن السؤال يجب ألا يكون فقط: «متى يسلم حزب الله سلاحه؟»، بل أيضاً: «متى تتوقف إسرائيل عن خروقاتها؟ ومن يضمن الانسحاب؟ ومن يؤمّن عودة النازحين؟ ومن يضمن إعادة الإعمار؟ ومن يفرض على جميع الأطراف احترام الاتفاق؟».

هذه الأسئلة ليست دفاعاً عن طرف أو تبرئة لطرف آخر، بل هي جوهر أي تسوية قابلة للحياة.

أما اتفاق الطائف والميثاق الوطني، فهما لا يمكن أن يكونا مجرد نصوص تُستدعى عند الحاجة. فالميثاق، في جوهره، هو إدارة الاختلاف داخل الدولة لا تحويل الاختلاف إلى حرب داخلية جديدة.

ولذلك، فإن لبنان الغد لا يحتاج إلى اتفاق يزيد الانقسام بين اللبنانيين، بل إلى تسوية تحفظ الدولة وتمنع العدوان وتضمن السيادة وتفتح الطريق أمام عودة الناس إلى أرضهم، وتضع السلاح ـ بكل أشكاله ومصادره ـ ضمن معالجة وطنية شاملة لا تستثني سلاحاً وتغض الطرف عن سلاح آخر.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يفترض أن يسبق كل الأسئلة الأخرى: هل المطلوب فعلاً بناء دولة لبنانية قوية، أم إعادة ترتيب لبنان بما يخدم صراعات الآخرين؟.
فالفرق بين المشروعين هو ببساطة الفرق بين وطن يملك قراره، ووطن يُدار من خارجه.

■ كاتب سياسي

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ قسم التحليل والآراء


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا