من إنتاج المعرفة إلى بناء الإنسان: المبرّات ترسم معادلة التحوّل التربوي بين كرامي وفضل الله والمدير العام

من إنتاج المعرفة إلى بناء الإنسان: المبرّات ترسم معادلة التحوّل التربوي بين كرامي وفضل الله والمدير العام


فضل الله: نجاح التربية لا يُقاس بعدد الناجحين بل بقدرتها على بناء الإنسان المسؤول


كرامي: المبرّات شريك في إنتاج المعرفة التربوية وبناء مستقبل التعليم في لبنان


المدير العام: التحوّل الحقيقي يبدأ بتحويل الرؤية إلى ممارسة تبني إنساناً رسالياً


ميديا برس ليبانون _ نظّمت جمعية المبرّات الخيرية مؤتمرها التربوي الخامس والثلاثين بعنوان «المسار التحويلي للتربية والتعليم… نحو إنسان رسالي»، في قاعة السيدة الزهراء في مجمع الإمامين الحسنين في حارة حريك، برعاية وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي، وبمشاركة شخصيات تربوية وأكاديمية وثقافية واجتماعية ودينية ونقابية.

وطرح المؤتمر التربية والتعليم من زاوية تتجاوز تطوير المناهج والأدوات التقنية، باتجاه إعادة تعريف وظيفة المؤسسة التربوية ودورها في بناء الإنسان، في ظل التحولات المتسارعة التي فرضها الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، فضلاً عن التداعيات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي خلّفتها الأزمات والحروب المتتالية في لبنان.

وافتُتح المؤتمر بآيات من القرآن الكريم، تلاها النشيد الوطني اللبناني، ثم عرض فيلم قصير عن مجمع السيد عبد الرؤوف فضل الله الذي دُمّر خلال العدوان الإسرائيلي، إلى جانب فقرة فنية قدّمها كورال المبرّات بعنوان «خطّ القلم».

كرامي: المطلوب الانتقال من «مؤسستي ومدرستي» إلى «منظومتنا التربوية»

وفي كلمة وزيرة التربية التي تلاها ممثلها المحامي فهمي كرامي، اعتُبر تنظيم المبرّات مؤتمرها التربوي الخامس والثلاثين مؤشراً إلى مسار طويل من التفكير والمراجعة والتعلّم والتجديد، وإلى قدرة المؤسسة على التطور والحفاظ في الوقت نفسه على هويتها ورسالتها.

وتوقفت الكلمة عند تجربة الراحلة الحاجة رنا إسماعيل، معتبرة أن الوفاء لمن ترك أثراً في المؤسسة لا يكون باستحضار منجزاته فحسب، وإنما بالبناء عليها واستمرار تطوير العمل المؤسسي، مع توجيه التحية إلى الفريق القيادي في المبرّات الذي حافظ على الرؤية والرسالة واستكمل مسيرة التطوير.

وأكدت أن الورقة المفاهيمية للمؤتمر لا تنظر إلى التطوير بوصفه مجرد تحديث للأدوات أو استجابة للتكنولوجيا، بل باعتباره مساراً تحوّلياً يتمحور حول الإنسان الرسالي، وهو طرح يلتقي مع النقاش الذي تسعى وزارة التربية إلى إطلاقه حول مستقبل التعليم في لبنان.

وشددت الكلمة على أن الإصلاح التربوي لا يختصر بإدخال التكنولوجيا إلى الصفوف أو تعديل المناهج، بل يستوجب إعادة طرح الأسئلة الأساسية حول وظيفة المدرسة، وما ينبغي أن يكتسبه الطالب، ونوعية المعلم والقيادة المدرسية، والمواطن الذي تسهم التربية في تكوينه.

ورأت أن المبرّات، بما راكمته من خبرة وتجربة، تستطيع أن تكون شريكاً في إنتاج المعرفة التربوية لا في تعليم طلابها فحسب، معتبرة أن التحدي الوطني يفرض الانتقال من منطق «مؤسستي ومدرستي» إلى منطق «منظومتنا التربوية»، لأن التربية لا يمكن أن تعيد إنتاج الانقسامات نفسها التي عانى منها لبنان على مستوى الطوائف والمناطق والجماعات والمصالح الخاصة.

محمد باقر فضل الله: التحوّل يبدأ من الممارسة

بدوره، أكد المدير العام لجمعية المبرّات الخيرية الدكتور محمد باقر فضل الله أن التحوّل التربوي لا يقتصر على تطوير المناهج والأدوات، بل يحتاج إلى رؤية متكاملة تنعكس في الممارسة اليومية داخل المؤسسات التربوية والرعائية.

وأشار إلى مشاركة المبرّات في إعداد المنهاج اللبناني المطوّر من خلال خبرائها في لجان الإعداد، والاستفادة من خبرتها في المقاربة بالكفايات والتربية الدامجة، مشدداً على أن نجاح المناهج الجديدة يبدأ بالفهم قبل التطبيق، وبتهيئة المعلمين ورفع جاهزيتهم العلمية والمهنية، إلى جانب وضوح خطة وزارة التربية ومراحل التنفيذ بما يضمن تكافؤ الفرص وعدالة التعلّم.

وكشف عن خطوات استباقية اتخذتها المبرّات في مجال التدريب التأسيسي للكوادر التربوية بالتعاون مع جامعة العلوم والآداب اللبنانية (USAL)، مؤكداً أهمية توفير بيئة مدرسية تمنح المعلمين مساحة للفهم والتجريب والمراجعة والتطوير.

وفي الجانب الرعائي، شدد فضل الله على أن احتضان الأطفال، ولا سيما الأيتام وذوي الحاجات الخاصة، ومواكبة نموهم وتمكينهم من الاستقلالية، يشكل جزءاً أساسياً من رسالة المبرّات، لافتاً إلى أن تداعيات الحرب تفرض مسؤولية إضافية تجاه هؤلاء الأبناء، تتطلب رعاية تعليمية وصحية ونفسية واجتماعية طويلة الأمد.

الذكاء الاصطناعي… أداة لا بديل عن التفكير

وفي مقاربة الذكاء الاصطناعي، دعا فضل الله إلى التعامل معه من منظور قيمي وتربوي يحمي التفكير البشري ويعزز الأمانة العلمية والاستقلالية، مؤكداً أن تدريب المعلمين شرط أساسي لاستخدام هذه التقنيات بصورة مسؤولة.

وشدد على ضرورة ألا يتحول العالم الافتراضي إلى بديل عن الحياة الواقعية، داعياً إلى تعزيز الرياضة والثقافة والفنون والكشافة والعمل التطوعي، إلى جانب ترسيخ التعلم العاطفي والاجتماعي باعتباره مكوناً أساسياً في بناء شخصية المتعلم.

كما دعا إلى تطوير التدخل المبكر واكتشاف الحواجز التي تعيق التعلم، واعتماد التصميم الشامل للتعلم، وتطوير برامج مستدامة لاكتشاف الموهوبين وتنمية قدراتهم، وتعزيز الشراكة مع الأهل.

وأكد أن المعيار الحقيقي لنجاح العملية التربوية هو تطور المتعلم واستقلاليته وبلوغه أقصى إمكاناته، وليس النتائج الأكاديمية وحدها.

USAL: توسيع الشراكات ومواكبة سوق العمل

وتطرق فضل الله إلى دور جامعة العلوم والآداب اللبنانية، معتبراً أنها امتداد للرسالة التربوية للمبرّات، وتسعى إلى الجمع بين المتانة الأكاديمية والمسؤولية المجتمعية.

وأشار إلى تجربة الجامعة في التعليم المدمج وغير المتزامن خلال الحرب، وإلى شراكاتها الأكاديمية مع جامعات ومؤسسات في تركيا وفرنسا وأرمينيا، وانضمامها إلى الوكالة الجامعية للفرنكوفونية واتحاد الجامعات العربية.

ودعا وزارة التربية والتعليم العالي إلى الإسراع في البت بالاختصاصات الجديدة وبرامج الماستر، بما يتيح للجامعة توسيع برامجها ومواكبة طموحات الطلاب ومتطلبات سوق العمل.

المبرّات في مواجهة تداعيات الحرب

وفي ملف الحرب، أوضح المدير العام أن المبرّات فتحت مؤسساتها أمام العائلات النازحة، وقدمت خدمات الإيواء والغذاء والرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي، بالتوازي مع حماية حق أكثر من 23 ألف تلميذ في التعليم عبر اعتماد مسارات تعليمية مرنة.

واعتبر أن الحرب اختبرت مرونة المؤسسة وقدرتها على تغيير وظائفها لخدمة الإنسان، فتحولت المدارس والمؤسسات إلى مساحات آمنة ومراكز للاستجابة الإنسانية.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب إدارة مسؤولة للنهوض وإعادة البناء، مشدداً على تصميم الجمعية على إعادة بناء الصروح التي دمرتها الحرب، لتعود إلى أداء أدوارها التربوية والرعائية والصحية والإنسانية.

السيد علي فضل الله: أي إنسان نريد أن نبني؟

من جهته، وضع رئيس جمعية المبرّات الخيرية سماحة العلّامة السيد علي فضل الله جوهر المؤتمر أمام سؤال مركزي: «أي إنسان نتطلع إلى بنائه؟»

وأكد أن الهدف الأساسي للمؤسسات التربوية هو بناء إنسان قادر على تحمل مسؤولياته تجاه ربه ونفسه ومجتمعه ووطنه، معتبراً أن نجاح العمل التربوي لا يقاس بالتقنيات والمناهج وعدد الناجحين فقط، وإنما بمدى قدرة المؤسسة على بناء الإنسان الذي تطمح إليه.

وقال إن الوصول إلى المعرفة أصبح متاحاً بصورة غير مسبوقة بفضل الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، وبالتالي لم يعد دور المدرسة محصوراً في نقل المعلومات، بل في زرع القيم، واكتشاف المواهب، وتعليم الإنسان كيف يفكر ويختار، وكيف يحوّل علمه إلى خدمة للإنسان والمجتمع والوطن.

وأكد أن التحول المطلوب هو الانتقال من التلقين إلى التعلم، ومن الحفظ إلى الفهم، ومن تعليم القيم إلى بناء الإرادة، ومن التنافس المعرفي إلى التعاون.

«الإنسان الرسالي»… علمٌ ومسؤولية وقيم

وأوضح فضل الله أن الإنسان الرسالي هو الذي يرى لحياته غاية ورسالة تتجاوز مصالحه الشخصية، ويجعل المبادئ والقيم أساساً لسلوكه، ويشعر بمسؤوليته تجاه مجتمعه ووطنه.

وأشار إلى أن هذا الإنسان لا يكتفي بالسؤال عما سيستفيد منه، بل يسأل أيضاً عن مسؤوليته والأثر الذي يمكن أن يتركه في حياة الآخرين، ولا يتعامل مع ما يُعرض عليه بصورة تلقائية، بل يفكر ويميّز ويختار.

وشدد على أن العلم لا ينبغي أن ينفصل عن الأخلاق، وأن الاعتزاز بالهوية والقيم لا يعني الانغلاق أو التعصب، بل الانفتاح على الآخر المختلف بعقل واعٍ قادر على الحوار والتمييز.

المعلّم قدوة قبل أن يكون ناقلاً للمعرفة

وفي رسالة مباشرة إلى المربين، أكد فضل الله أن مسؤوليتهم لا تقف عند حدود التعليم، بل تتصل بصناعة شخصية الطالب، داعياً إياهم إلى أن يكونوا قدوة في سلوكهم وتعاملهم.

وقال إن الطالب قد ينسى درساً أو معلومة، لكنه لا ينسى الطريقة التي عومل بها، ولا الكلمة التي أعادت إليه ثقته بنفسه، مشدداً على أن موقفاً صادقاً من مربٍّ قد يغيّر حياة إنسان.

ودعا إلى التعامل مع كل طالب باعتباره مشروع إنسان وصاحب دور مستقبلي، وإلى تحويل المؤسسات التربوية إلى مساحات يتعلم فيها الطلاب السؤال والحوار والاختلاف باحترام والعمل المشترك، لا إلى أماكن تعاقب على الخطأ من دون تعليم كيفية التعلم منه.

وختم بالتأكيد أن المؤسسة التربوية الناجحة هي التي لا تخرّج طالباً يحمل شهادة فحسب، بل إنساناً يمتلك بوصلة أخلاقية، ويفكر بعقله، ويهتدي بقيمه، ويتحمل المسؤولية، ويبادر إلى الخير، ويجعل علمه وعمله وسيلة لإعمار الحياة وخدمة الإنسان.

ندوة حول إعادة هندسة التربية

واختُتمت أعمال اليوم الرئيسي بندوة بعنوان «إعادة هندسة التربية: الإنسان، التقنية، والأثر»، أدارها نائب رئيس جامعة العلوم والآداب اللبنانية للشؤون الإدارية والمالية الدكتور ياسر فضل الله.

وشارك في الندوة البروفيسور نعمة صفا، أستاذ جامعة القديس يوسف ـ كلية العلوم التربوية، حول إعادة تشكيل هوية المعلم المهنية في عصر الذكاء الاصطناعي؛ والبروفيسور كريستوفر ديدي، أستاذ جامعة هارفارد ـ كلية الدراسات العليا للتربية، حول المقاربة الإنسانية لتوظيف الذكاء الاصطناعي؛ والدكتورة غنوة عيتاني حول الانتقال من الامتثال إلى الفاعلية في بناء الإنسان الرسالي؛ والدكتورة ليلى كاديوال، الأستاذة المساعدة في معهد التربية في جامعة كوليدج لندن، حول التحديات العالمية المعاصرة والمعرفة المسؤولة.

خاتمة

لم يكن المؤتمر التربوي الخامس والثلاثون للمبرّات مجرد محطة أكاديمية جديدة، بل محاولة لإعادة وضع الإنسان في مركز العملية التربوية، في وقت تتسارع فيه التكنولوجيا وتتبدل فيه أدوار المدرسة والمعلم والطالب.

وبينما تتجه التربية إلى مواجهة الذكاء الاصطناعي والتحولات الاجتماعية وتداعيات الأزمات، طرحت المبرّات معادلة واضحة: التكنولوجيا تطوّر الأدوات، لكن القيم تصنع الإنسان؛ والمناهج تنقل المعرفة، لكن التربية تصنع المسؤولية.

ومن هنا، يبدو أن «المسار التحويلي» الذي حمله عنوان المؤتمر لا يتعلق فقط بما يتعلمه الطالب، بل بما يصبح عليه بعد أن يتعلم.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم التربوي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا