من علي الطاهر إلى باب المندب: هل تتدحرج خريطة الحرب نحو البقاع؟.. تلةٌ تفجّرت… لكن السؤال أبعد من التلة

من علي الطاهر إلى باب المندب: هل تتدحرج خريطة الحرب نحو البقاع؟.. تلةٌ تفجّرت… لكن السؤال أبعد من التلة


خاص – ميديا برس ليبانون _ أحمد موسى _ لم تكن عملية تفجير مرتفعات علي الطاهر، بما رافقها من قوة نارية هائلة وتغيير في معالم الموقع الاستراتيجي، مجرد عملية عسكرية محدودة في جنوب لبنان، ولا يبدو أن دلالاتها تنتهي عند حدود النبطية أو خطوط التماس الجنوبية.

فما يجري على الأرض اللبنانية يتزامن مع إعادة رسم أكثر اتساعاً لخريطة الاشتباك في الشرق الأوسط: من جنوب لبنان والجولان السوري، إلى العراق، فباب المندب واليمن، وصولاً إلى المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران.

السؤال لم يعد فقط: ماذا فعلت إسرائيل في علي الطاهر؟

بل أصبح: ماذا تريد أن تفعل بعد علي الطاهر؟ وأين يمكن أن تكون نقطة الضغط التالية؟
وهنا تكمن خطورة المشهد.
فالوقائع الميدانية تشير إلى أن إسرائيل لا تتعامل مع علي الطاهر بوصفها نقطة منفصلة، بل باعتبارها جزءاً من منظومة مرتفعات ومواقع استراتيجية تسمح لها بتثبيت عمق أمني داخل الأراضي اللبنانية. وفي المقابل، تبدو المفاوضات السياسية عاجزة حتى الآن عن تحويل التفاهمات والاتصالات إلى انسحاب إسرائيلي فعلي أو صيغة أمنية مستقرة.

وقد أعلنت إسرائيل أنها أحكمت سيطرتها العملياتية على مرتفعات علي الطاهر، وتحدثت عن تدمير بنية تحتية تحت الأرض قالت إنها تابعة لحزب الله، فيما تستمر المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية برعاية أميركية وسط خلافات جوهرية حول الانسحاب والسلاح والترتيبات الأمنية، ومن هنا تبدأ الحكاية الأخطر.

علي الطاهر: نهاية عملية أم بداية مرحلة؟

على مدى أسابيع، تحولت مرتفعات علي الطاهر إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في الجنوب اللبناني.
الموقع المرتفع، المشرف على مساحات واسعة من النبطية وجوارها، لا تكمن أهميته في مساحته الجغرافية فحسب، بل في موقعه داخل شبكة المرتفعات التي تتحكم بحركة القوات والنيران والطرق بين الجنوب والداخل اللبناني.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، جرى تدمير منشأة تحت الأرض امتدت لمسافة تقارب كيلومترين، واحتوت على مراكز قيادة ومستودعات أسلحة ووسائل قتالية مختلفة. وفي المقابل، فإن تثبيت إسرائيل وجوداً عسكرياً في هذه النقطة يعني عملياً انتقال المعركة من مرحلة الضربات المتحركة إلى محاولة بناء واقع جغرافي أمني جديد.

وهنا يصبح تفجير الموقع أكثر من حدث عسكري. إنه اختبار لفرضية كاملة: هل تستطيع إسرائيل تحويل السيطرة العملياتية إلى احتلال جغرافي دائم أو شبه دائم؟.
وإذا كانت الإجابة نعم، فإن السؤال التالي يصبح حكماً: ما هي حدود المنطقة التي تريد إسرائيل تثبيتها؟.

من النبطية إلى «خط القمم»… أين تتجه العين؟

تتحدث تقديرات عسكرية متداولة عن احتمال أن تكون المرتفعات الواقعة في اتجاه الريحان وسجد وإقليم التفاح وتومات نيحا ضمن دائرة الاهتمام الإسرائيلي، باعتبار أن السيطرة على سلسلة من القمم قد تمنح إسرائيل قدرة أكبر على التحكم بالنيران والمراقبة، وربط مواقعها الجنوبية بعمق جغرافي أكثر اتساعاً.

لكن هذه النقطة تحديداً يجب التعامل معها باعتبارها سيناريو عسكرياً مطروحاً، لا قراراً إسرائيلياً معلناً.
فالانتقال من علي الطاهر إلى هذه المناطق يعني تغييراً نوعياً في طبيعة المعركة.
لن تعود المسألة مرتبطة فقط بحماية مستوطنات الشمال أو منع إعادة بناء قدرات حزب الله، بل قد تدخل في إطار محاولة فرض حزام أمني جديد يمتد على سلسلة من المرتفعات ذات القيمة العسكرية العالية.
وهنا تبرز أسماء مثل جزين، كفرحونة، الريحان، سجد وتومات نيحا.
والأخطر أن بعض هذه النقاط لا تقع على الحدود مباشرة، بل في عمق جغرافي يجعل أي توغل باتجاهها انتقالاً من مفهوم «المنطقة الأمنية» إلى مفهوم أكثر اتساعاً.

جزين والبقاع الغربي: السيناريو الأصعب

إذا كان السيناريو الإسرائيلي المحتمل هو تثبيت «خط القمم»، فإن جزين والبقاع الغربي يدخلان حكماً في دائرة الحسابات الجغرافية، ليس بالضرورة باعتبارهما هدفين عسكريين مباشرين، وإنما باعتبارهما امتداداً استراتيجياً للممرات والمرتفعات والطرق التي تربط الجنوب بالداخل.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: الأول: لا توجد، في المعطيات العلنية المتاحة، قرينة حاسمة تسمح بالقول إن إسرائيل اتخذت قراراً باجتياح جزين أو البقاع الغربي.
الثاني: استمرار تثبيت المواقع المرتفعة وتوسيع نطاق السيطرة النارية يفتح الباب أمام سيناريوهات كانت حتى وقت قريب تبدو بعيدة.
وهذا تحديداً ما يجعل كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري عن أن «الوضع خطير» وأن الحلول بعيدة، وعن قدرة إسرائيل على الاحتلال إذا قررت ذلك، يتجاوز كونه توصيفاً سياسياً للحظة، ليصبح تحذيراً من تبدل قواعد اللعبة نفسها.

المفاوضات في روما: هل تتحرك الدبلوماسية بينما تتحرك الدبابات؟

المفارقة الأكثر إثارة للقلق أن المسار العسكري لا يسير بالتوازي مع المسار السياسي فحسب، بل يبدو في بعض اللحظات وكأنه يستخدمه كورقة ضغط.
مفاوضات لبنان وإسرائيل برعاية أميركية تبحث في آليات الانسحاب والترتيبات الأمنية والتحقق من تنفيذ التفاهمات، فيما تستمر إسرائيل في عملياتها العسكرية وتثبيت مواقعها في الجنوب.

وهنا تطرح المعادلة نفسها: هل تستخدم إسرائيل الأرض لتحسين شروط التفاوض؟.
إذا كان الجواب نعم، فإن كل ارتفاع جديد وكل موقع جديد يصبح ورقة تفاوضية.

وعندها لا يعود السؤال: متى تبدأ المفاوضات؟، بل: بأي مساحة جغرافية ستصل إسرائيل إلى طاولة التفاوض؟.
تقارير عن مسار المفاوضات تحدثت عن احتمال إبقاء إسرائيل شريطاً داخل جنوب لبنان بعمق يتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات، وهو ما يتناقض مع المطالبة اللبنانية بالانسحاب الكامل.

وهكذا تصبح المعادلة أكثر وضوحاً: الجيش الإسرائيلي يفاوض من موقع القوة، ولبنان يفاوض من موقع الأرض المهددة بالاقتطاع.

لكن لبنان ليس جزيرة معزولة

وهنا تبدأ الصورة الإقليمية الأوسع. ما يجري في الجنوب اللبناني لا يمكن قراءته منفصلاً عن التحولات الممتدة من الجولان إلى العراق واليمن وطهران وواشنطن. فالمسرح الإقليمي كله يتحرك في الوقت نفسه.
في سوريا، يبقى الجولان ومحيطه جزءاً من الحسابات الإسرائيلية المتعلقة بالعمق الاستراتيجي والحدود الشمالية.

وفي العراق، تواجه الحكومة ضغوطاً هائلة في ملف حصر السلاح بيد الدولة، في وقت ترفض فيه فصائل مدعومة من إيران مهلة تسليم السلاح والاندماج في المؤسسات الرسمية.

أما في اليمن، فقد انتقل التصعيد إلى مستوى أكثر حساسية مع سيطرة الحوثيين على ميناء المخا ثم جزيرة ميون/بريم الاستراتيجية عند مدخل باب المندب، ما يضع واحداً من أهم الممرات البحرية العالمية في قلب الصراع الإقليمي. وهنا تصبح الصورة أكبر من لبنان.

من علي الطاهر إلى باب المندب: الجغرافيا كلها تتحرك

عندما تصبح مرتفعات جنوب لبنان جزءاً من الحساب العسكري الإسرائيلي، ويصبح باب المندب ساحة ضغط عسكري واقتصادي، وتدخل الفصائل العراقية على خط استهداف المصالح والمنشآت النفطية، فإننا أمام حرب متعددة المسارح.

فقد أعلنت السعودية أن طائرات مسيرة أُطلقت من الأراضي العراقية استهدفت خط أنابيبها الشرقي–الغربي، فيما اختارت الرياض، حتى الآن، عدم الرد عسكرياً استجابة لطلب الحكومة العراقية، مع احتفاظها بحق الدفاع عن أمنها ومنشآتها.

وفي اليمن، أدى التصعيد حول باب المندب إلى تهديد إضافي لسلاسل إمداد الطاقة والتجارة العالمية، في وقت تجاوزت فيه أسعار النفط عتبة المئة دولار للبرميل وسط اضطرابات الملاحة والطاقة. أي أن الحرب لم تعد تُقاس فقط بعدد الصواريخ والضربات.
الحرب أصبحت حرب ممرات.
ممرات برية، ممرات بحرية، ممرات طاقة وممرات سياسية.

طهران وواشنطن: مركز الثقل الذي ينعكس على الأطراف

في قلب هذه المعادلة تقع المواجهة الأميركية–الإيرانية. واشنطن تضغط على طهران عسكرياً واقتصادياً، فيما تحاول إيران استخدام شبكة حلفائها الإقليميين لتوسيع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.

وفي الوقت نفسه، لا تزال الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران مفتوحة من دون مسار خروج واضح، بينما أصبحت مضائق الطاقة والممرات البحرية جزءاً مباشراً من أدوات الصراع.

وهنا تظهر أهمية لبنان. فلبنان ليس بالضرورة مركز الحرب، لكنه يمكن أن يصبح أحد مسارحها الأكثر حساسية. إذا توسعت الحرب الإقليمية، فإن الجنوب اللبناني يبقى إحدى أكثر النقاط القابلة للاشتعال. وإذا اتجهت واشنطن إلى تسوية، فإن إسرائيل قد تسعى إلى تحسين شروطها الميدانية قبل الوصول إليها.
وفي الحالتين، تصبح الأرض اللبنانية جزءاً من لعبة أكبر من قدرة بيروت وحدها على التحكم بها.

ثلاثة سيناريوهات أمام الجنوب

السيناريو الأول: التثبيت والضغط
تكتفي إسرائيل بتثبيت مواقعها الحالية، وتستمر في الضربات الموضعية وعمليات الهدم والتجريف، بهدف الضغط على لبنان وحزب الله خلال المفاوضات. وهذا هو السيناريو الأقل كلفة عسكرياً والأكثر فائدة تفاوضياً.

السيناريو الثاني: توسيع الحزام الأمني
تتحرك إسرائيل باتجاه بعض المرتفعات ذات القيمة الاستراتيجية، خصوصاً إذا فشلت المفاوضات أو تعثرت آليات التحقق من تنفيذ التفاهمات. هنا قد تتحول علي الطاهر من نقطة متقدمة إلى جزء من شبكة عسكرية أوسع.

السيناريو الثالث: الانزلاق إلى توغل أعمق
وهو السيناريو الأخطر والأعلى كلفة. في هذه الحالة قد تتجاوز العمليات نطاق الجنوب التقليدي باتجاه مناطق أعمق، بما فيها محاور جزين والمرتفعات المتصلة بالبقاع الغربي.
لكن هذا السيناريو يبقى احتمالاً عسكرياً لا حقيقة قائمة، ويتطلب ظروفاً سياسية وميدانية كبرى، أبرزها انهيار المسار التفاوضي واتساع المواجهة الإقليمية.

السؤال الأصعب: ماذا بعد «المنطقة الأمنية»؟

المشكلة ليست في خط على الخريطة.
المشكلة في أن الخطوط العسكرية المؤقتة قد تتحول، بمرور الوقت، إلى وقائع سياسية.
وهذا هو الدرس التاريخي الأخطر في المنطقة.
فكل منطقة تدخلها قوة عسكرية تحت عنوان «أمني» قد تصبح لاحقاً ورقة تفاوضية، ثم مطلباً سياسياً، ثم واقعاً يصعب تغييره.
ومن هنا تأتي حساسية علي الطاهر.
إذا بقيت السيطرة الإسرائيلية مؤقتة، فقد تكون ورقة تفاوض.
أما إذا تحولت إلى منظومة مواقع متصلة ومحصنة، فإنها قد تتحول إلى حدود أمنية غير معلنة.
وهنا تحديداً يصبح كلام بري عن أن «الإسرائيلي إذا أراد أن يحتل يستطيع ذلك» تحذيراً من احتمال انتقال الصراع من سؤال السلاح إلى سؤال الأرض.

لبنان أمام الاختبار الأصعب

في الداخل اللبناني، لا تجري المعركة العسكرية وحدها. الدولة تواجه أزمة مالية واقتصادية واجتماعية، ومجلس النواب يضغط على الحكومة، والضرائب والرسوم تثير غضباً شعبياً متزايداً، فيما يتقدم الملف الأمني على كل الملفات الأخرى.


لكن المشكلة الأعمق أن لبنان يحتاج في هذه اللحظة إلى معادلة شديدة الصعوبة: دولة قوية من دون حرب أهلية، جيش قادر على حماية الحدود من دون زجّه في مواجهة داخلية، ودبلوماسية تستطيع انتزاع الانسحاب الإسرائيلي من دون تحويل لبنان إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة. وهذا هو الاختبار الحقيقي.

هل علي الطاهر نهاية المعركة أم أول حجر في خريطة جديدة؟

من الصعب قراءة تفجير علي الطاهر باعتباره مجرد نهاية لمعركة على تلة.
فالموقع يقع داخل مشهد إقليمي تتغير فيه خرائط النفوذ من لبنان إلى سوريا، ومن العراق إلى اليمن، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب، فيما تخوض واشنطن وطهران مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود البلدين.

إسرائيل من جهتها تبدو مصممة على تحويل التفوق العسكري إلى أوراق تفاوضية، بينما يحاول لبنان منع تحول الوقائع الميدانية إلى حدود جديدة.

وبين المسارين، يبقى السؤال معلقاً فوق الجنوب: هل ستتوقف الدبابات عند علي الطاهر، أم أن التلة كانت مجرد بداية لاختبار أوسع للمرتفعات والطرق والعمق اللبناني؟.

وإذا كان باب المندب قد تحول إلى ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي، والعراق إلى اختبار لقدرة الدولة على حصر السلاح، والجولان إلى جزء من الحسابات الأمنية الإسرائيلية، وطهران وواشنطن إلى قلب المواجهة الإقليمية، فإن لبنان يجد نفسه مرة جديدة أمام السؤال التاريخي نفسه: هل يستطيع أن يمنع الآخرين من رسم حدوده بالنار؟. المعركة المقبلة، إذا وقعت، لن تكون فقط على تلة. قد تكون على خريطة لبنان نفسها.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم السياسي والتحقيقات


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا