علي الطاهر بعد التفجير: تلةٌ صمدت… وأمةٌ عجزت عن الاستيقاظ

تفجير التلة لم يُسقط رواية ال_م_ق_ا_و_م_ة… بل فجّر سؤال الخذلان العربي والإسلامي

■ د. نسيب حطيط
ميديا برس ليبانون _ ليلة الجمعة، عند الساعة التاسعة وعشر دقائق، لم يكن تفجير تلة «علي الطاهر» في منطقة النبطية مجرد عملية تدمير لموقع عسكري في جنوب لبنان. في قراءة د. نسيب حطيط، كان المشهد أشبه برسالة نارية مفتوحة: تلة صمدت تحت الحصار والقصف والاستهداف، قبل أن تُستهدف بكمية هائلة من المتفجرات، فيما بقي السؤال الأكبر خارج التلة نفسها: من كان يستطيع أن يفعل شيئاً ولم يفعل؟.

يصف حطيط العملية بأنها «بقرٌ لبطن» التلة بخنجر من المتفجرات والحقد والثأر، متحدثاً عن قوة تفجيرية تبلغ 1100 طن، بعد حصار دام أكثر من مئة يوم، واستهداف متواصل على مدى سنوات، انتهى بتفجير أجساد المقاتلين وأنفاقهم وإحداث زلزال اصطناعي، وفق توصيفه.

لكن المفارقة، في رؤية الكاتب، ليست في حجم الانفجار وحده، بل في أن هذا الانفجار الهائل لم يوقظ، بحسب تعبيره، أمةً كاملة من سباتها السياسي. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية لعلي الطاهر.

فإذا كانت التلة قد سقطت جغرافياً تحت أطنان المتفجرات، فإنها، في قراءة حطيط، لم تسقط في ميزان الإرادة والرمزية. بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لمفهوم المقاومة، وللموقف العربي والإسلامي من الحرب الممتدة في الجنوب.

1100 طن من المتفجرات… ولا إجابة عن سؤال الخذلان

يرى حطيط أن تفجير «علي الطاهر» ليس عاراً على المقاومين وأهلهم، بل مصدر فخر وعز وكرامة، لأن المقاتلين، وفق روايته، لم يغادروا مواقعهم تحت ضغط التفوق العسكري، بل قاتلوا حتى اللحظة الأخيرة.
ومن هنا يرفض الكاتب أن تتحول التلة إلى عنوان لإدانة المقاومين أو تحميلهم وحدهم مسؤولية نتائج المواجهة.

بل على العكس، يعتبر أن حجم القوة المستخدمة في تدمير الموقع يكشف، في منظوره، طبيعة الصراع غير المتكافئ: جيش يمتلك التفوق الجوي والناري والتقني، في مواجهة مجموعات تقاتل في الجغرافيا الصعبة للجنوب وتتمسك بمواقعها رغم الحصار.

وفي الحساب السياسي لحطيط، يصبح السؤال أكثر إحراجاً:
إذا كانت تلة واحدة احتاجت إلى هذا الحجم من القوة لتدميرها، فهل كان صمودها دليلاً على ضعف المقاومة أم على قدرتها على تعطيل التفوق العسكري للعدو؟.

«جبل عامل»… من موقع عسكري إلى عقدة في الحسابات الإسرائيلية

يذهب الكاتب إلى أن الجنوب اللبناني لم يعد مجرد جبهة عسكرية في الحسابات الإسرائيلية، بل تحول إلى رمز لمعادلة إقليمية كاملة.
فمن يستطيع، وفق قراءته، أن «يصفع» الجنوب المقاوم ويكسر صورة صموده، يستطيع أن يوظف ذلك سياسياً في الداخل الإسرائيلي والإقليمي.

ومن هنا يرى حطيط أن «علي الطاهر» ليست مجرد تلة، وأن استهدافها يحمل دلالات تتجاوز موقعها الجغرافي، وصولاً إلى محاولة تثبيت صورة التفوق الإسرائيلي واستعادة الردع أمام جمهوره وخصومه.

ويضع الكاتب ذلك في سياق أوسع من الصراع السياسي والعسكري، معتبراً أن الجنوب بقي، في نظره، «النجم الوحيد في ليل هذه الأمة»، في مقابل واقع عربي وإسلامي يراه غارقاً في التفكك والانقسام.

ال_م_ق_ا_و_م_ة في مواجهة «أمة لم تستيقظ»

النقطة الأكثر حساسية في المقال تتمثل في اتهام حطيط، بصراحة شديدة، قوى عربية وإسلامية بالتخاذل عن نصرة الجنوب.
ويقول إن المقاومين في الجنوب خاضوا، بحسب رؤيته، معركة امتدت لأكثر من ألف يوم، دفاعاً عن الأرض وإسناداً لقضية يرى أن قطاعات واسعة من العالم العربي والإسلامي تخلت عنها.

ومن هنا ينتقل الكاتب من نقد سياسي محدد إلى تشخيص أوسع لما يعتبره حالة انحدار عربي وإسلامي: تفكك، تحلل، صراع داخلي، انقسامات مذهبية، تطبيع، وتنافس على خدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية.

ويحمّل، في سياق رأيه، عدداً من الأنظمة والقوى السياسية مسؤولية ما يعتبره التخلي عن فلسطين ولبنان والعراق واليمن والسودان والصومال وليبيا وغيرها، فضلاً عن تبديد الثروات والمقدرات في صراعات داخلية وإقليمية.
وهنا تصبح «علي الطاهر»، وفق منطقه، مرآة لاختبار أوسع بكثير من حدود الجنوب اللبناني.

الجمهورية الإسلامية… الحدود التي لا يرسمها الجغرافيا

يقدم حطيط أيضاً قراءة عقائدية لطبيعة العلاقة بين ال_م_ق_ا_و_م_ة والجمهورية الإسلامية في إيران.
فهو يرى أن مفهوم «الجمهورية الإسلامية» لدى أنصار هذا المشروع لا يخضع للحدود الجغرافية التقليدية، بل يقوم على حدود عقائدية، بحيث يكون الانتماء قائماً حيث يوجد من يؤمن بالمشروع ويدافع عنه.

وبناءً على هذا التصور، يعتبر أن حماية الجمهورية الإسلامية تعني حماية من يقاتل في إطار هذا المشروع أو يسانده، وأن أي عدوان على هؤلاء يُفترض أن يستدعي موقفاً مقابلاً.

وهذه النقطة تحديداً تكشف، في قراءة المقال، عن جوهر الصراع الذي يراه الكاتب: صراع يتجاوز حدود لبنان إلى مشروع إقليمي مفتوح، تتداخل فيه العقيدة بالجغرافيا والسياسة بالسلاح.

«80 طناً»… وذاكرة الحرب التي لم تُغلق

يربط حطيط تفجير «علي الطاهر» بسلسلة طويلة من الضربات، متحدثاً عن مئات وآلاف الأطنان من المتفجرات التي طالت قرى وتلالاً وبيوتاً، كما يستحضر ما يصفه باستهداف «السيد الشهيد» بقوة بلغت، وفق روايته، 80 طناً.

وفي منظوره، فإن السؤال ليس فقط عن حجم الخسائر، وإنما عن صدى هذه الخسائر في العالم العربي والإسلامي.
من سمع صرخات الأهالي؟ من تحرك؟ ومن اكتفى بالبيانات؟.
هذا هو السؤال الذي يضعه الكاتب في قلب المشهد.
ويقول إن بعض الجهات قدّمت التعاطف والمديح، لكن ذلك لم يتحول، وفق رأيه، إلى موقف قادر على تغيير المعادلة.

لا تجعلوا الهزيمة الميدانية هزيمة سياسية

يرفض حطيط، في القسم الأكثر تعبئة في مقاله، أن تتحول الخسائر إلى سبب لانهيار البيئة المؤيدة لل_م_ق_ا_و_م_ة.
ويحذر أهل الجنوب من أن يؤدي القصف والدمار والخوف إلى دفعهم نحو التخلي عن المقاومين أو تحميلهم وحدهم مسؤولية الحرب.
ويستعيد هنا معركة أُحد، محذراً من تكرار ما يراه خطأً تاريخياً تمثل في ترك الموقع تحت ضغط الإغراء والخوف والارتباك.
وبحسب رؤيته، فإن اللحظة الحالية ليست لحظة جلد الذات، بل لحظة ثبات وإعادة تنظيم للقدرات.
ويقول إن آلاف الشهداء الذين سقطوا تركوا وراءهم أمهات ثكالى وزوجات وأطفالاً وأخوة وأخوات، متسائلاً: هل تكون مكافأة من قاتل ودافع عن أرضه هي اللوم والإدانة؟.

حتى في حال افتراض أن المقاومة أخطأت في تقدير بعض المواقف، يطرح حطيط سؤالاً أخلاقياً وسياسياً حول كيفية محاسبة من يقول إنه قاتل دفاعاً عن قضية يؤمن بها، في ظل عدم تكافؤ واضح في القدرات العسكرية.

«أهل الكهف» في جبل عامل

يذهب الكاتب إلى تشبيه مقاومي «علي الطاهر» بأهل الكهف، معتبراً أن أرواحهم ستبقى حاضرة في قرى وتلال الجنوب، وأن الأرض التي خسرها المقاومون اليوم يمكن أن تتحول، وفق رؤيته، إلى أرض تستعاد غداً.

ويضع حطيط المواجهة في إطار ديني وعقائدي طويل الأمد، وصولاً إلى اعتباره أن الصراع مع إسرائيل مستمر حتى ظهور الإمام الحجة، وأن خسارة الجغرافيا لا تعني بالضرورة خسارة التاريخ. وهنا تبلغ المقالة ذروتها العقائدية: قد يخسر المقاوم أرضاً، لكنه لا يخسر، وفق رؤية الكاتب، معركة المبادئ والذاكرة.

السؤال الاستخباري: ماذا بعد «علي الطاهر»؟

بعيداً عن اللغة العقائدية التي تحكم المقال، تطرح واقعة تفجير التلة سؤالاً سياسياً وأمنياً بالغ الأهمية:
هل كانت عملية تدمير «علي الطاهر» مجرد هدف عسكري، أم جزءاً من محاولة أوسع لإعادة تشكيل معادلة الردع في الجنوب؟.
وإذا كانت العملية تهدف إلى إنتاج صورة عن التفوق الإسرائيلي، فهل تنجح هذه الصورة في تغيير البيئة السياسية والاجتماعية التي أنتجت المقاومة طوال العقود الماضية؟.

ثم السؤال الأهم: هل يؤدي تدمير المواقع والتحصينات إلى إنهاء القدرة على المقاومة، أم يدفع إلى انتقالها من الجغرافيا الثابتة إلى نماذج أكثر مرونة وتنظيماً؟.
حطيط يجيب بوضوح: لا يزال جبل عامل، بحسب رؤيته، يحتضن التلال والأودية والأنفاق والإرادة والإيمان، وأن المعركة لم تنتهِ.

لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة أن تكون المقاومة، في المرحلة المقبلة، «عقلانية وشرعية ومطهرة من الفاسدين والمسترزقين»، في إشارة إلى ضرورة إعادة تنظيم الأداء الداخلي وعدم السماح للفساد أو المصالح الشخصية بضرب مشروع المقاومة من داخله.

«لا تحزنوا»… الرسالة الأخيرة من تحت الركام

في خاتمة مقاله، يوجه حطيط رسالة مباشرة إلى أبناء الجنوب: لا تحزنوا.
فالعدو، بحسب رؤيته، يستطيع أن يهدم بيتاً أو يفجر تلة، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يهدم الإرادة التي تقف خلفها.
ويدعو إلى عدم السماح للعدو أو لمن يصفهم بالخاذلين بأن يزعزعوا الثبات، أو يدفعوا الناس إلى التخلي عن المقاومين.

ويختم بصورة شديدة الرمزية: تحضير خرائط البيوت للعودة إليها، مهما طال الزمن.
فالمعادلة التي يريد الكاتب تثبيتها واضحة:
«علي الطاهر» قد تكون دُمّرت… لكن رواية الصمود لم تُدمّر. والتلة التي زُلزلت بالمتفجرات، في قراءة حطيط، تحولت إلى سؤال سياسي أكبر من الركام: إذا كان العدو استطاع تفجير التلة، فهل استطاع تفجير إرادة أهلها؟، وإذا عجزت الأمة عن الاستيقاظ أمام الانفجار، فمتى تستيقظ أمام أصل القضية؟.

■ عميد متقاعد _ كاتب وباحث

إميديا برس ليبانون _ قسم التحليل والآراء

تنويه: المقال المنشور هو مقال رأي وتحليل للكاتب د. نسيب حطيط، ويعبّر عن وجهة نظره ومقاربته السياسية والعقائدية، ولا يعكس بالضرورة موقف «ميديا برس ليبانون» أو هيئة تحريره.


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا