الإعلام الإلكتروني أمام مفترق نقابي وقانوني: محفوظ يطمئن المواقع ومرقص يدفع نحو تعديل قانون الإعلام
ميديا برس ليبانون – أحمد موسى _ دخل ملف الإعلام الإلكتروني في لبنان مرحلة جديدة من النقاش، مع انتقال البحث من مجرد تنظيم المواقع الإلكترونية إلى أسئلة أكثر جوهرية تتصل بالتمثيل النقابي، والحماية القانونية، وحدود المسؤولية المهنية، ومستقبل القطاع في ظل التحول الرقمي وتسارع استخدام الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، عقد المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع اجتماعاً قبل ظهر اليوم في مقره بوزارة الإعلام، جمع عدداً من أصحاب المواقع الإلكترونية، للبحث في واقع الإعلام الإلكتروني ومستجداته، إلى جانب الملاحظات المطروحة على قانون الإعلام الجديد، والخيارات النقابية المتاحة أمام المواقع، بين تأسيس نقابة مستقلة خاصة بها أو الانتساب إلى نقابتي الصحافة والمحررين.
محفوظ: الإعلام الإلكتروني هو إعلام اللحظة والانتشار
رئيس المجلس الوطني للإعلام عبد الهادي محفوظ رحّب بالمواقع الإلكترونية، مؤكداً أن الاجتماع يشكل مساحة للحوار حول واقع القطاع ومستقبله والمهام الملقاة على عاتقه.
ونقل محفوظ تحيات وزير الإعلام المحامي الدكتور بول مرقص ورعايته واهتمامه بدور المواقع الإلكترونية، مشيراً إلى أن الوزير يسعى إلى إقرار تعديلات على قانون الإعلام الجديد، بالتعاون مع عدد من القانونيين، انطلاقاً من وجود ملاحظات على عدد من مواده.
وأكد محفوظ أن الإعلام اللبناني، بما فيه الإعلام الإلكتروني، يتمتع بالحرية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الحرية الإعلامية لا تعني الانفلات من القواعد المهنية والقانونية، بل تفرض مسؤولية التحقق من الخبر وموضوعيته ونسبه إلى مصادر موثوقة.
وبرأيه، فإن الإعلام الإلكتروني بات يحتل موقع الصدارة باعتباره “إعلام اللحظة والسرعة والانتشار والذكاء الاصطناعي”، في وقت انتقلت فيه مؤسسات إعلامية تقليدية إلى الفضاء الرقمي إدراكاً للتحول الكبير في طبيعة صناعة الخبر وتوزيعه.
الحماية تبدأ من المهنة
وشدد المجلس خلال الاجتماع على ضرورة التزام المواقع الإلكترونية بالضوابط المهنية والموضوعية، ولا سيما التأكد من صحة المعلومات ودقتها، ونسب الأخبار إلى مصادر موثوقة، والابتعاد عن الإثارة السياسية والطائفية، والإساءة إلى الآخرين، ونشر الأخبار الكاذبة أو المضللة.
كما جرى التشديد على ضرورة احترام المقامات الرئاسية والروحية، وعدم تحويل المنصات الإعلامية إلى ساحات للتشهير أو التحريض، بما يحمي المؤسسات الإعلامية والعاملين فيها من الوقوع تحت طائلة الملاحقات القانونية.
وفي هذا الإطار، اعتبر المجلس أن الالتزام بالمعايير المهنية يشكل أيضاً وسيلة لحماية الموقع الإلكتروني من أن يُعامل كصفحة على وسائل التواصل الاجتماعي تفتقد إلى الصفة الإعلامية القانونية أو لا تتمتع بالعلم والخبر الصادر عن المجلس.
قانون الإعلام الجديد تحت المجهر
ولم يخلُ الاجتماع من نقاش قانوني حول قانون الإعلام الجديد، إذ أبدى محفوظ ملاحظات على طريقة إعداد القانون، معتبراً أنه لم يخضع، بحسب رأيه، لنقاش شامل في جميع مواده، وأن بعض نصوصه تحتاج إلى إعادة نظر وتعديل.
وأشار إلى أن القانون، بصيغته الحالية، يتضمن مواد وصفها بالمتعارضة، معتبراً أن إعداد التشريع يحتاج إلى مقاربة أكثر انسجاماً مع الواقع اللبناني والتجربة التشريعية الإعلامية.
وفي المقابل، نفى محفوظ ما وصفه بالترويج لوجود دور أميركي في صياغة القانون، معتبراً أن مصلحة واشنطن، وفق قراءته، تتجه إلى جعل لبنان منصة مستقرة لإدارة شؤون المنطقة، بما في ذلك على المستوى الإعلامي، وليس إلى إنتاج إطار إعلامي يقوم على الاستنسابية السياسية والطائفية.
كما أشار إلى أن الوزير بول مرقص وعدداً من القانونيين يؤيدون إدخال تعديلات على القانون، مطمئناً المواقع الإلكترونية إلى أن الصيغة القانونية الجديدة تتضمن، وفق قراءته، ضمانات للقطاع وتكرّس مبدأ العلم والخبر.
العقدة النقابية: نقابة مستقلة أم الانتساب إلى الصحافة والمحررين؟
أما النقاش الأكثر حساسية، فتمثل في مستقبل التمثيل النقابي للمواقع الإلكترونية والعاملين فيها.
وطرح الاجتماع مجموعة من الخيارات، أبرزها تأسيس نقابة مستقلة للمواقع الإلكترونية، أو اعتماد صيغة الانتساب إلى نقابتي الصحافة والمحررين، في ظل الحاجة إلى إطار مهني وقانوني قادر على تمثيل القطاع المتنامي والدفاع عن حقوق العاملين فيه.
وفي هذا السياق، شدد محفوظ على أن المواقع الإلكترونية يجب أن تكون صاحبة الدور الأساسي في تحديد شكل تمثيلها، قائلاً إن أصحابها هم أسياد قطاعهم، ولا يجوز مصادرة تمثيلهم أو فرض جهة تتحدث باسمهم من دون إرادتهم.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل اتساع الفجوة بين البنية التقليدية للنقابات الإعلامية وبين واقع الإعلام الرقمي، الذي بات يضم مواقع إخبارية ومؤسسات رقمية ومنصات متخصصة وصحافيين يعملون بصورة مستقلة.
لبنان كمنصة إعلامية إقليمية
وفي مقاربة اقتصادية تتجاوز الإطار النقابي، طرح محفوظ فكرة إنشاء مدينة إعلامية في لبنان، معتبراً أن المشروع يمكن أن يشكل رافعة اقتصادية وإعلامية، وأن يساهم، وفق تقديرات المجلس التي أوردها، في تحقيق عائدات تصل إلى ستة مليارات دولار للخزينة وتأمين نحو ثلاثة آلاف فرصة عمل للإعلاميين اللبنانيين، إضافة إلى استعادة جزء من الكفاءات اللبنانية الموجودة في الخارج.
ورأى أن لبنان يمتلك ميزة لا تتوافر بالضرورة في المدن الإعلامية الموجودة في عدد من العواصم العربية، تتمثل، بحسب وصفه، في مساحة الحرية الإعلامية وإمكانية نقد السلطة.
وربط ذلك بإمكانية جذب استثمارات عربية وأجنبية إلى القطاع الإعلامي، وتحويل الحرية الإعلامية اللبنانية إلى عنصر اقتصادي واستثماري، وليس فقط إلى قيمة سياسية أو ثقافية.
من حماية الموقع إلى حماية المجتمع
وحدد محفوظ مجموعة من المسؤوليات التي يرى أن المواقع الإلكترونية مطالبة بالالتزام بها، وفي مقدمتها البحث عن الحقيقة، وتوفير حق المواطن في الإعلام والاستعلام، وعدم نشر المعلومات التي يمكن أن تهدد أمن المجتمع حتى عندما تكون صحيحة، إلى جانب تعزيز المواطنة والنقد الإيجابي وتصويب أداء السلطة السياسية.
كما دعا إلى دعم قيام الدولة العادلة والقادرة، واحترام المقامات الرئاسية الثلاثة، والحفاظ على علاقات لبنان بالدول العربية والصديقة، وتغطية مختلف المناطق اللبنانية، وضمان شفافية مصادر التمويل وعدم استخدامها في تبييض الأموال أو خدمة سياسات خارجية.
وتطرق كذلك إلى دور الإعلام في الملفات الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها تحرير الجنوب وإعادة الإعمار وعودة النازحين وتحرير الأسرى، إضافة إلى مواجهة المشروع التوسعي الإسرائيلي في المنطقة، وفق الموقف الذي عبّر عنه.
المواقع: المصداقية خط الدفاع الأول
من جهتهم، شارك عدد من أصحاب المواقع الإلكترونية في النقاش، مرحبين بما ورد في موقف المجلس حول أهمية الإعلام الإلكتروني وخصوصية الحرية الإعلامية اللبنانية.
وشدد المشاركون على أن المصداقية والانضباط المهني يشكلان أساس استمرار المواقع، محذرين من مخاطر الأخبار الزائفة والمعلومات غير الموثقة، لما يمكن أن تتركه من آثار مباشرة على المجتمع والثقة العامة بالإعلام.
وأجاب محفوظ عن الأسئلة والهواجس والمطالب التي طرحها أصحاب المواقع، في نقاش عكس حجم التحديات التي يواجهها الإعلام الإلكتروني، ليس فقط على مستوى القانون والنقابة، بل أيضاً في ظل التحول السريع في صناعة المحتوى وتطور الذكاء الاصطناعي وانتقال الجمهور بصورة متزايدة من الإعلام التقليدي إلى المنصات الرقمية.
قطاع يتوسع وقواعده لم تُحسم بعد
يكشف الاجتماع أن ملف الإعلام الإلكتروني في لبنان لم يعد تفصيلاً تابعاً للإعلام التقليدي، بل أصبح قطاعاً قائماً بذاته يحتاج إلى قواعد واضحة للترخيص والتمثيل النقابي والمسؤولية المهنية والحماية القانونية.
وبين مشروع نقابة مستقلة وخيار الانتساب إلى نقابتي الصحافة والمحررين، وبين قانون إعلام جديد يحتاج إلى تعديلات وفق الملاحظات التي طُرحت، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة والقطاع الإعلامي على صياغة إطار حديث يوازن بين حرية الصحافة، والمسؤولية المهنية، والحقوق النقابية، والحماية القانونية.
فالرهان لم يعد فقط على من يمثل المواقع الإلكترونية، بل على كيفية تنظيم قطاع أصبح، عملياً، أحد أهم مصادر صناعة الرأي العام في لبنان.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الإعلامي





اترك تعليقًا