الغزاوي من مسجد محمد الأمين: إضعاف الدولة يضعف إرادة الشعوب


الغزاوي: لبنان بحاجة إلى حماية مؤسساته والإنماء المتوازن… والغلاء مسؤولية الدولة والمجتمع


بيروت – ميديا برس ليبانون _ من منبر مسجد محمد الأمين في بيروت، وضع سماحة مفتي زحلة والبقاع الدكتور الشيخ علي الغزاوي جملة من العناوين الوطنية والسياسية والاجتماعية في صلب خطبة الجمعة، رابطًا بين إصلاح المجتمع، قوة الدولة، حماية المؤسسات، الشراكة الوطنية، والإنماء المتوازن، ومشددًا على أن الخلاف السياسي ينبغي أن يبقى ضمن الأطر الدستورية والمؤسساتية، لا أن يتحول إلى تنازع يهدد استقرار الدولة.

واستهلّ الغزاوي خطبته بتلاوة قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، متناولًا مفهوم الصلاح والإصلاح ودور الرسالات في تقويم حياة الإنسان والمجتمعات وإقامة العدل، ومؤكدًا أن إصلاح الحياة العامة لا ينفصل عن إصلاح الإنسان والمجتمع ومؤسسات الدولة.

بيروت… رسالة التعدد والعيش المشترك

وتوقف مفتي زحلة والبقاع عند العاصمة بيروت، مشيرًا إلى خصوصيتها الدينية والاجتماعية والتعددية، وما يمكن أن تقدمه من نموذج للعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين.

واستحضر في هذا السياق الإمام الأوزاعي ودوره في صناعة الحياة للآخرين، معتبرًا أن التعدد يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة عندما يُدار بروح الرسالة والمسؤولية، لا إلى عامل انقسام وصدام.

الدولة والمؤسسات… قوة تحمي إرادة الشعب

وفي أبرز مواقفه السياسية، شدد الغزاوي على أهمية قوة الدولة ومؤسساتها في حماية إرادة اللبنانيين، محذرًا من أن يؤدي ضعف الدولة إلى زيادة أطماع المحتل.

وقال: “عندما تضعف الدولة تضعف إرادة الشعوب، وتزيد إرادة المحتل طمعًا وغزوًا واحتلالًا وقتلًا وتدميرًا كما ترون اليوم”.

ودعا إلى التمسك بالدستور والمؤسسات، معتبرًا أن الاختلاف السياسي أمر ممكن وطبيعي، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى تنازع على الدولة أو إرادتها أو إدارتها.

وأكد أن اللبنانيين، على اختلاف توجهاتهم، شركاء في الدولة، وأن إدارة الخلاف ينبغي أن تتم من خلال المؤسسات والقواعد الدستورية، بعيدًا عن تعطيل الدولة أو إضعافها.

المزايدات السياسية… حين يتحول الخلاف إلى تعطيل

وانتقد الغزاوي ما وصفه بالمزايدات السياسية، معتبرًا أن الخلاف يفقد وظيفته الوطنية عندما يتحول إلى وسيلة لتعطيل المؤسسات أو تحقيق مكاسب انتخابية.

وأشار إلى أن المسؤولية تفرض على القيادات السياسية أن تكون أكثر حرصًا على مستوى الخطاب والممارسة، وأن تقدم نموذجًا في إدارة الاختلاف، بدل أن يتحول التنافس السياسي إلى عامل إضافي لزيادة الانقسام الداخلي.

وفي هذا الإطار، استحضر نموذج صحيفة المدينة التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم لتنظيم العلاقة بين مكونات مجتمع متعدد، باعتبارها نموذجًا في إدارة التعدد والشراكة ضمن إطار واضح ينظم الحقوق والواجبات.

السعودية والأمن الإقليمي… احترام المقدسات وحماية الاستقرار

وعلى المستوى الإقليمي، تطرق الغزاوي إلى الاعتداء على المملكة العربية السعودية، متسائلًا عن استهداف بلد يحتضن الأماكن المقدسة، ومشددًا على ضرورة احترام حرمة المقدسات وأمنها.

وربط موقفه بأهمية أن يكون المسلم ممثلًا حقيقيًا للقيم التي يؤمن بها، في حياته الخاصة والعامة، وأن تقوم العلاقة بين المجتمعات على الأمن والرحمة والإصلاح، بعيدًا عن منطق الاعتداء والصدام.

دار الفتوى… حماية المؤسسة من التنازع

وفي ختام خطبته، انتقل الغزاوي إلى الشأن المؤسساتي، مشددًا على ضرورة حماية مؤسسات دار الفتوى من التنازع، واحترام أطرها وقوانينها ودورها المؤسساتي.

وقال إن المؤسسات ينبغي أن تُدار من خلال القوانين والدستور، داعيًا إلى حماية مؤسسات دار الفتوى وتعزيز دورها، بما يحفظ انتظام عملها ويصون مكانتها.

وأكد أن قوة المؤسسات لا تُبنى بالصراعات الداخلية، بل بالالتزام بالقواعد التي تنظم عملها، وبالتعاون بين مكوناتها.

الإنماء المتوازن… حق للمناطق والمواطنين

ووضع الغزاوي الإنماء المتوازن في صلب رؤيته للشأن اللبناني، معتبرًا أن المواطن يجب أن يأخذ حقه من إدارة الدولة، وأن التنمية لا ينبغي أن تبقى محصورة في مناطق دون أخرى.

وشدد على أن بناء الوطن يحتاج إلى تعاون أبنائه، لا إلى التنازع والتصادم بينهم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.

وخاطب اللبنانيين بالقول: “كن جزءًا من بناء الأمة ولا تكن جزءًا من هدم الأمة”، مؤكدًا أن الأوطان تُبنى بتعاون أهلها وتكامل جهودهم.

الغلاء… الدولة إدارة والأغنياء إرادة

ولم يغفل الغزاوي الأزمة المعيشية التي تثقل كاهل اللبنانيين، معتبرًا أن معالجة الغلاء تتطلب مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

وقال إن معالجة الغلاء تحتاج إلى “الدولة إدارة ومن الأغنياء إرادة”، بما يسمح بأن يحمل اللبنانيون بعضهم بعضًا، وأن تقوم الدولة بمسؤوليتها تجاه جميع المواطنين.


في خطبته من مسجد محمد الأمين، قدّم المفتي علي الغزاوي مقاربة جمعت بين قوة الدولة وحماية المؤسسات والعيش المشترك والإنماء المتوازن والمسؤولية الاجتماعية، واضعًا الخلاف السياسي ضمن إطار المؤسسات والدستور، ومحذرًا من أن يتحول التنازع إلى عامل يضعف الدولة ويزيد هشاشة المجتمع.

وبينما تتعدد الأزمات التي يواجهها لبنان، تبدو الرسالة الأساسية في خطبته قائمة على معادلة واضحة: مؤسسات قوية، دولة حاضرة، شراكة وطنية، إنماء متوازن، وتكافل اجتماعي؛ باعتبارها عناصر مترابطة في حماية الاستقرار وبناء الدولة.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم السياسي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا