المازوت بالملعقة… آن أوان تحرير سوق المحروقات؟
■ ✍️ عبداللطيف الزعّني
” القلم الحّر”
ميديا برس ليبانون _ رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، ومعالي وزيري الطاقة والمياه والاقتصاد والتجارة.
حين يصبح تأمين المازوت والبنزين والغاز شبيهاً بتأمين «جرعة دواء»، لا تعود المسألة مجرد ارتفاع في الأسعار أو اضطراب في الإمدادات، بل تتحول إلى سؤال أوسع: هل يعيش لبنان أزمة محروقات، أم أزمة في إدارة سوق المحروقات؟
المواطن اللبناني دفع، على مدى سنوات، أثماناً باهظة نتيجة رفع الدعم والضرائب والرسوم، فيما انعكست كلفة المحروقات مباشرة على النقل والتدفئة وإنتاج الكهرباء وأسعار السلع والخدمات. وفي المقابل، لا تزال أسئلة المنافسة والشفافية وآليات التسعير وحماية المستهلك حاضرة بقوة في هذا القطاع الحيوي.
هنا تحديداً تبرز الحاجة إلى إعادة فتح ملف المنشآت النفطية الوطنية في طرابلس والزهراني، ليس بمنطق الحنين إلى دور الدولة التاجر، ولا بمنطق إعادة إنتاج إدارة حكومية مترهلة، وإنما من زاوية الأمن الطاقوي والمنافسة وحماية المستهلك.
من أصول معطّلة إلى أدوات للأمن الطاقوي
السؤال الأساسي ليس ما إذا كان لبنان يستطيع إعادة تشغيل مصافيه ومنشآته النفطية فوراً، بل ما إذا كان قد أجرى فعلاً تقييماً فنياً واقتصادياً متكاملاً يحدد ما يمكن تشغيله، وما يحتاج إلى إعادة تأهيل، وما لم يعد قابلاً للاستثمار الاقتصادي.
فالحديث عن إعادة تشغيل المصافي لا يمكن أن يكون شعاراً سياسياً أو وعداً سريعاً؛ إنه قرار يحتاج إلى أرقام واضحة حول حجم الاستثمار المطلوب، وكلفة التشغيل، والجدوى الاقتصادية، والقدرة على المنافسة، وطبيعة المنتجات التي يمكن إنتاجها.
أما منشآت التخزين والاستيراد والتوزيع، فهي قضية مختلفة، وقد يكون المطلوب إخضاعها أيضاً لتقييم شامل حول قدرتها على لعب دور أكبر في ضمان استمرارية الإمدادات.
الدولة ليست مضطرة لأن تكون تاجراً
ليس المطلوب أن تعود الدولة إلى احتكار تجارة المحروقات، ولا أن تتحول المؤسسات العامة إلى منافس تجاري دائم للقطاع الخاص.
لكن إذا كانت الدولة تملك أصولاً استراتيجية، فإن تركها خارج الاستخدام الأمثل يحتاج بدوره إلى تفسير اقتصادي واضح.
والخيار المنطقي يمكن أن يكون في إدارة وتشغيل هذه الأصول وفق قواعد حديثة وشفافة، سواء من خلال الدولة أو عبر شراكات مع القطاع الخاص، شرط أن تتم العملية عبر آليات تنافسية واضحة، ومناقصات معلنة، ورقابة مستقلة، ومعايير محددة للكلفة والعائد وجودة الخدمة.
بمعنى آخر: لا احتكار حكومياً بديلاً عن الاحتكار الخاص، ولا خصخصة بلا رقابة.
المنافسة… الحلقة التي لا يجوز تجاهلها
في سوق تمس منتجاته حياة كل لبناني، تصبح المنافسة الحقيقية أكثر من مجرد مفهوم اقتصادي.
المطلوب هو تسهيل دخول المستوردين المستوفين للشروط القانونية، ومنع أي ممارسات من شأنها تقييد المنافسة أو استغلال موقع مهيمن أو تحميل المستهلك كلفة لا تعكس الواقع الفعلي للسوق.
وهنا تصبح الرقابة على سلسلة المحروقات بأكملها ضرورية: من الاستيراد، إلى التخزين، فالتوزيع، وصولاً إلى المحطة والمستهلك.
فالسؤال لا ينبغي أن يكون فقط: «كم ارتفع سعر الصفيحة؟»، بل أيضاً: كيف تشكل هذا السعر؟ وما هي مكوناته؟ ومن يراقبها؟ وهل يتحرك السعر صعوداً وهبوطاً وفق آلية يمكن للمواطن فهمها والتحقق منها؟
المخزون الاستراتيجي ليس رفاهية
الأزمات الإقليمية والاضطرابات في طرق الإمداد أثبتت أن أمن الطاقة لا يرتبط بالسعر فقط، بل أيضاً بقدرة الدولة على ضمان وصول المشتقات النفطية إلى السوق في الظروف الاستثنائية.
ومن هنا، يصبح وجود مخزون استراتيجي وإدارة فعالة للمنشآت النفطية جزءاً من الأمن الاقتصادي والوطني، وليس مجرد مسألة تجارية.
فالدولة التي لا تملك هامشاً آمناً من المخزون تصبح أكثر عرضة لتقلبات الأسواق الخارجية، ولأزمات النقل والشحن، ولأي اضطراب إقليمي قد ينعكس سريعاً على السوق المحلية.
دولة الرئيس… المواطن يريد أرقاماً
دولة الرئيس، معالي الوزيرين،
المواطن لا يطلب من الدولة أن تصبح تاجراً للمحروقات، ولا يريد احتكاراً حكومياً جديداً.
ما يريده أبسط من ذلك بكثير: سوقاً شفافاً، منافسة حقيقية، مخزوناً آمناً، وآلية تسعير يمكن تفسيرها ومراقبتها.
وإذا كانت منشآت الدولة قادرة على أداء دور أكبر في أمن الطاقة، فلماذا لا تُطرح كل الخيارات على الطاولة، وتُدرس وفق أرقام ودراسات جدوى مستقلة؟.
وإذا كانت إعادة تشغيل المصافي غير مجدية اقتصادياً، فليُقل ذلك بوضوح. وإذا كان تشغيل بعض منشآت التخزين والتوزيع ممكناً ومفيداً، فلتُطرح خطة عملية لذلك.
المهم أن ينتقل النقاش من الشعارات إلى الأرقام، ومن التبريرات إلى القرارات.
«بالملعقة» ليست سياسة طاقة
في النهاية، ليست المشكلة في أن يصل المازوت إلى المواطن «بالملعقة» فحسب؛ المشكلة أن يبقى البلد عاجزاً عن الإجابة بوضوح عن كيفية إدارة سوق بهذه الحساسية، وعن الدور الذي يمكن أن تؤديه أصول الدولة في حماية أمنه الطاقوي.
المواطن اللبناني لا يريد تفسيراً جديداً لكل أزمة، بل يريد أن يعرف: من يدير السوق؟ كيف يُحتسب السعر؟ ما حجم المنافسة؟ ما حجم المخزون؟ وما الخطة عندما تتعطل خطوط الإمداد؟
قد تكون الإجابات لدى أهل الاختصاص والمؤسسات المعنية، لكن المطلوب هذه المرة أن تكون الإجابات بالأرقام والدراسات والقرارات القابلة للمحاسبة.
ففي بلد أنهكته فاتورة الطاقة، ربما آن الأوان لأن يتحول السؤال من «كم سعر المازوت اليوم؟» إلى سؤال أكثر جوهرية: «كيف نعيد بناء سوق محروقات شفافاً وآمناً لا يدفع المواطن وحده ثمن اختلالاته؟».
■ كاتب وناقد
اعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الاقتصادي



اترك تعليقًا