البنزين يتخطّى 31 دولاراً والسرفيس عند 250 ألفاً… من يدفع فاتورة الأزمة؟
الاقتصاد – ميديا برس ليبانون _ شيئاً فشيئاً، تتحول كلفة التنقّل في لبنان إلى معادلة ضاغطة على طرفي الطريق: سائق يواجه ارتفاعاً متسارعاً في كلفة التشغيل، وراكب يحاول حماية ما تبقى من دخله، ودولة مطالبة بتنفيذ إجراءات سبق أن جرى الاتفاق عليها لاحتواء الأزمة.
في 18 أيلول، ارتفع سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان إلى 2.810 مليون ليرة، أي نحو 31.32 دولاراً وفق سعر الصرف المستخدم في احتساب السعر، فيما بلغ سعر البنزين 98 أوكتان 2.828 مليون ليرة، والمازوت 2.768 مليون ليرة.
وفي المقابل، بقيت تعرفة السرفيس الرسمية في بيروت وضواحيها عند 250 ألف ليرة، بعدما كانت قد صدرت بقرار من وزير الأشغال العامة والنقل، فيما جرى الاتفاق على عدم تحميل الراكب وحده تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات.
من 25 إلى أكثر من 31 دولاراً… والفجوة تكبر
المعادلة التي تثير اعتراض قطاع النقل بسيطة في ظاهرها: عندما أُقرت تعرفة الـ250 ألف ليرة، كان سعر صفيحة البنزين يقارب 25 دولاراً، بينما تجاوز اليوم حاجز 31 دولاراً.
لكن ارتفاع سعر المحروقات لا يعني تلقائياً أن تعرفة النقل يجب أن ترتفع بالنسبة نفسها؛ فالمعادلة التي طرحتها اتحادات النقل تقوم على إبقاء التعرفة ضمن مستوى يمكن للمواطن تحمّله، مقابل اتخاذ الدولة إجراءات تخفف كلفة التشغيل عن السائقين.
وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين التعرفة الرسمية وكلفة العمل الفعلية.
تعويض الـ12 مليون ليرة… أين أصبح؟
في شباط الماضي، أعلن رئيس اتحادات ونقابات النقل البري بسام طليس، بعد اجتماع ضم رئيس الحكومة نواف سلام ووزير المالية ياسين جابر ووزير الأشغال العامة والنقل والاتحاد العمالي العام، الاتفاق على تعويض مالي شهري بقيمة 12 مليون ليرة للسائقين العموميين الشرعيين العاملين على البنزين، مقابل التزامهم بالتعرفة الرسمية.
وكان الهدف المعلن واضحاً: عدم تحويل كل ارتفاع في سعر البنزين إلى زيادة مباشرة على أجرة النقل، بما يحمي السائق من جهة والراكب من جهة أخرى.
لكن مع وصول الصفيحة إلى أكثر من 31 دولاراً، عاد طليس إلى المطالبة بتنفيذ الإجراءات المتفق عليها، داعياً الحكومة إلى دفع تعويضات السائقين قبل الأربعاء، محذراً من التأخير والتسويف.
وهنا يصبح السؤال عملياً لا سياسياً:
إذا كانت التعرفة الرسمية ملزمة للسائق، فهل جرى تنفيذ المقابل المالي الذي أُعلن عنه لحماية قدرته على الالتزام بها؟
المواطن بين التعرفة الرسمية وفوضى السوق
المشكلة لا تقع على السائق وحده. الموظف، والعسكري، والعامل، والطالب، وكل من يعتمد على النقل العام، يدفع يومياً ثمن أي زيادة في كلفة التنقّل. وأي انتقال جديد من تعرفة الـ250 ألف ليرة إلى رقم أعلى يعني اقتطاعاً إضافياً من دخل الأسر.
لكن في الاتجاه الآخر، فإن ترك السائقين أمام كلفة تشغيل متصاعدة من دون معالجة واضحة قد يدفع بعضهم إلى فرض زيادات فردية، وهو ما يفتح الباب أمام فوضى في التعرفة.
ولهذا شدد طليس في مواقفه السابقة على ضرورة التزام السائقين بالتعرفة الرسمية وملاحقة المخالفين، بالتوازي مع تنفيذ الإجراءات التي اتُّفق عليها لحماية القطاع.
سؤال المحروقات: هل تنعكس الزيادة العالمية فوراً؟
الملف لا يتوقف عند النقل. فمع كل ارتفاع في أسعار النفط عالمياً، يعود سؤال قديم إلى الواجهة: كيف تُحتسب أسعار المحروقات في لبنان؟ وما الفاصل الزمني بين سعر شراء الشحنات وتغير السعر العالمي؟ وهل تنعكس الارتفاعات بالسرعة نفسها عندما تكون الكميات قد اشتُريت قبل تسجيل الارتفاع؟
هذه أسئلة تقنية تحتاج إلى إجابات رسمية من الجهات المعنية، ولا يكفي فيها الربط المباشر بين سعر برميل النفط وسعر الصفيحة، لأن السعر المحلي يتأثر أيضاً بكلفة الاستيراد والنقل والضرائب والرسوم وسعر الصرف وآلية تركيب الأسعار.
ومن هنا، فإن أي مقارنة بين سعر النفط الخام وسعر الصفيحة يجب أن تأخذ كامل مكونات جدول تركيب السعر في الاعتبار، لا سعر الخام وحده.
الأربعاء… اختبار لتنفيذ الاتفاق
التحذير الذي أطلقه طليس في 18 أيلول جاء بعد وصول صفيحة البنزين إلى 31 دولاراً و32 سنتاً، مع مطالبته الحكومة بالمباشرة فوراً في تنفيذ الإجراءات المتفق عليها ودفع التعويضات قبل الأربعاء.
وبذلك يتحول اجتماع اتحادات النقل المرتقب إلى محطة مفصلية في مسار الأزمة: فالمطلوب ليس فقط البحث في التعرفة، بل تحديد من يتحمل كلفة الفارق بين سعر محروقات يرتفع وتعرفة نقل يُراد لها أن تبقى قابلة للتحمل اجتماعياً.
السائق لا يستطيع العمل بخسارة، والراكب لا يستطيع تحمّل زيادات متتالية، والدولة مطالبة في المقابل بإظهار كيفية تطبيق الاتفاقات التي سبق أن أُعلنت.
المعادلة اليوم لم تعد مجرد خلاف على سعر السرفيس، بل اختبار لقدرة الدولة على إدارة كلفة النقل بين حماية القطاع ومنع تحميل الأزمة للمواطن وحده.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الاقتصادي





اترك تعليقًا