«2.8 مليون للصفيحة: من يشرح للمواطن فاتورة المحروقات؟»

المحروقات تحرق جيوب اللبنانيين مجدداً… فمن يحمي المستهلك؟


اقتصاد – ميديا برس ليبانون _ لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات في لبنان خبراً دورياً يمرّ على هامش الحياة اليومية؛ فكل زيادة جديدة في سعر صفيحة البنزين أو المازوت تتحول مباشرة إلى فاتورة إضافية على النقل والإنتاج والزراعة والخدمات والمواد الغذائية، فيما يبقى المواطن الحلقة الأضعف في سوق تتوالى فيه التسعيرات من دون أن يرافقها، بالقدر نفسه، شرح تفصيلي وشفاف أمام الرأي العام لكامل مكوّنات السعر.

وبحسب جدول أسعار المحروقات الصادر في 22 أيلول 2026، ارتفع سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان 24 ألف ليرة ليبلغ 2,834,000 ليرة، كما ارتفع البنزين 98 أوكتان بالمقدار نفسه إلى 2,852,000 ليرة. أما المازوت فسجّل قفزة إضافية بلغت 55 ألف ليرة ليصل إلى 2,823,000 ليرة، فيما ارتفع سعر قارورة الغاز 28 ألف ليرة إلى 1,249,000 ليرة.

أرقام لا تحتاج إلى كثير من الشرح

اللافت أن الزيادة الجديدة تأتي بعد ارتفاعات متتالية خلال أيلول. ففي 18 أيلول، كان سعر صفيحة البنزين 95 عند 2,810,000 ليرة، والبنزين 98 عند 2,828,000 ليرة، والمازوت عند 2,768,000 ليرة، والغاز عند 1,221,000 ليرة.

وباحتساب المسار منذ بداية الشهر وفق الجداول المنشورة، ارتفع البنزين 95 من 2,571,000 في 1 أيلول إلى 2,834,000 ليرة في 22 منه، أي بزيادة 263 ألف ليرة تقارب 10.2%. وارتفع المازوت من 2,446,000 إلى 2,823,000 ليرة، أي 377 ألف ليرة تقارب 15.4%. أما قارورة الغاز فانتقلت من 1,167,000 إلى 1,249,000 ليرة، بزيادة 82 ألف ليرة تقارب 7%. وتظهر الجداول المنشورة خلال الشهر سلسلة زيادات متلاحقة في هذه المواد.

السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل

هنا تبدأ القضية الحقيقية: هل كل ليرة إضافية تُحمّل للمستهلك مبررة فعلاً ومثبتة بالأرقام؟.
السؤال لا يستهدف جهة بعينها ولا يثبت مسبقاً وجود مخالفة أو تواطؤ، لكنه يطرح مسؤولية مباشرة على الجهات المعنية: وزارة الطاقة والمياه، الشركات المستوردة والموزعة، والنقابات والهيئات الممثلة للقطاع.

فالمواطن الذي يدفع اليوم أكثر من 2.8 مليون ليرة للصفيحة، يحتاج إلى أن يعرف بوضوح: كم يبلغ سعر الاستيراد؟ ما كلفة النقل والتأمين والتخزين؟ ما الرسوم والضرائب؟ ما هامش الشركات؟ وما هو هامش أصحاب المحطات؟ وكيف تُحتسب هذه العناصر في كل جدول جديد؟.
فالشفافية لا تعني فقط إعلان الرقم النهائي، بل كشف الطريق الذي أوصل إليه.

صرخة وجع في وجه منظومة التسعير

ما يعيشه اللبناني ليس مجرد ارتفاع في رقم على جدول. صفيحة البنزين تدخل في كلفة انتقال الموظف والطالب والعامل، والمازوت يدخل في كلفة النقل والإنتاج والتدفئة وتشغيل قطاعات حيوية، فيما ينعكس الغاز على كلفة الأسر والمطاعم والمحال وسائر الأنشطة.

وهنا تتحول الزيادة المتكررة إلى سلسلة تضخمية: ارتفاع المحروقات يرفع كلفة النقل، والنقل يرفع كلفة السلع والخدمات، فتصل الصدمة في النهاية إلى المستهلك الذي لا يملك وسيلة دفاع سوى تقليص استهلاكه أو زيادة أعبائه.
والسؤال الأشد إلحاحاً: أين هي آلية حماية المستهلك من الارتفاعات المتتالية؟

إلى الشركات المستوردة: اكشفوا دفتر الكلفة

إذا كانت الأسعار ترتفع نتيجة ارتفاع كلفة الاستيراد العالمية، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بهذه العبارة العامة، بل تقديم معطيات قابلة للتدقيق حول سعر شراء الشحنة، تاريخ التعاقد، كلفة الشحن والتأمين، سعر الصرف المعتمد، الرسوم والضرائب، وكلفة التخزين والتوزيع وهوامش الربح.
ذلك أن المواطن لا يستطيع محاسبة رقم لا يعرف تركيبته.

وإلى النقابات المعنية: أين صوت المستهلك؟

أما النقابات المعنية بالقطاع، فمسؤوليتها لا تقتصر على نقل الأسعار أو الدفاع عن مصالح العاملين وأصحاب المؤسسات. فالقطاع النفطي يمسّ كل بيت وكل مؤسسة وكل مرفق اقتصادي، وبالتالي فإن النقاش العام يحتاج أيضاً إلى موقف واضح حول عدالة التسعير، وحجم الهوامش، وأسباب الزيادات، ومدى انعكاسها الفعلي على كلفة الاستيراد.

وهنا تبرز صرخة المواطن: هل تتحول النقابات إلى طرف في معادلة التسعير، أم إلى جهة تضغط باتجاه شفافية أكبر وحماية المستهلك إلى جانب حماية القطاع؟

والوزارة أمام اختبار الشفافية

أما وزارة الطاقة والمياه، التي تتولى نشر جداول أسعار المحروقات، فهي أمام اختبار أساسي لا يتعلق بإعلان السعر فقط، بل بشرح مكوّناته للرأي العام. والموقع الرسمي للوزارة ينشر جداول أسعار مبيع المحروقات للمستهلك، ما يجعل توفير البيانات التفصيلية حول آلية احتساب السعر خطوة أساسية في تعزيز الرقابة العامة.

وفي المقابل، تؤكد المديرية العامة للنفط أن منشآت النفط التابعة لوزارة الطاقة والمياه تتولى عمليات مرتبطة باستيراد وتخزين وتوزيع بعض المشتقات النفطية، ما يجعل ملف سلسلة التوريد والطريقة التي تتشكل بها الكلفة جديراً بمزيد من التدقيق والشرح.

المواطن لا يريد شعارات… يريد كشف الحساب

المطلوب اليوم ليس سجالاً بين الوزارة وأصحاب الشركات أو النقابات، ولا تبادل الاتهامات عبر البيانات، بل كشف حساب كامل أمام اللبنانيين.

من أين جاءت الزيادة؟
من المستورد؟
من النقل والتأمين؟
من الضرائب والرسوم؟
من سعر الصرف؟
من هامش الشركات؟
من هامش المحطات؟
وهل تتناسب الزيادة المحلية فعلاً مع كلفة الاستيراد في الفترة نفسها؟.
هذه الأسئلة هي جوهر التحقيق، وهي أيضاً حق للمستهلك.

وفي انتظار إجابات موثقة، تبقى صفيحة البنزين عند 2.834 مليون ليرة، والمازوت عند 2.823 مليوناً، وقارورة الغاز عند 1.249 مليوناً، فيما يدفع المواطن الثمن يومياً من دخله ومن قدرته على التنقل والإنتاج والعيش.

المشكلة لم تعد في ارتفاع الأسعار وحده، بل في غياب الشرح الكافي لكيفية وصولها إلى هذه المستويات، وفي السؤال الأكبر: من يراقب السوق ويحمي المستهلك عندما تصبح المحروقات عبئاً يومياً يطال الاقتصاد والناس معاً؟.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الاقتصادي 


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا