ترامب-نتنياهو ومعالجات لملف لبنان وغزة و«عزلة إسرائيل»


■ عبد الهادي محفوظ

ميديا برس ليبانون _ لأول مرة في تاريخ إسرائيل، يزور رئيس حكومة إسرائيلية نيويورك ولا يلتقي بالرئيس الأميركي. هذا ما يرويه السفير الإسرائيلي السابق في الولايات المتحدة مايكل أورن، معبّراً عن دهشته من هذا التطور.

وفي تقديره، يشكّل ذلك «صفعة» لبنيامين نتنياهو، في وقت تقترب فيه الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من تشرين الأول.

والمفارقة أن الرئيس دونالد ترامب، خلال ولايته الحالية، التقى بنيامين نتنياهو ثماني مرات. ويعلّق أورن: «لا أتذكر ولو لمرة واحدة أن رئيس حكومة إسرائيلية أتى إلى الولايات المتحدة من دون لقاء الرئيس الأميركي. لا شك أن نتنياهو كان مصدوماً».

حسابات انتخابية ورسائل سياسية

والواضح أن الرئيس دونالد ترامب، الذي حاور رؤساء وفود كثيرة شاركت في اجتماعات الأمم المتحدة، تعمّد تجنّب لقاء نتنياهو، لأن مثل هذا اللقاء كانت ستتم ترجمته إسرائيلياً على أنه انحياز من البيت الأبيض لمصلحة نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية.

وهذا أمر لا يرغب فيه الرئيس الأميركي، خصوصاً أنه يلمس ما يُوصف بـ«عزلة إسرائيل» الدولية، نتيجة سياسات الحرب والتدمير والقتل والعقاب الجماعي وتوسيع المستوطنات، وما استتبع ذلك من تحوّل في الرأي العام الأميركي، وانعكاس ذلك حتى على شعبية الرئيس نفسه.

كما أن الحرب الأميركية على إيران شكّلت عاملاً إضافياً في العلاقة بين ترامب ونتنياهو، إذ كان نتنياهو لاعباً أساسياً في المسار الذي استدرج الولايات المتحدة، وفق هذا الطرح، إلى المواجهة مع إيران.

وبذلك، تبدو واشنطن، قبل الحرب في الشرق الأوسط، أمام وضع إقليمي ودولي مختلف عن الوضع الذي تواجهه حالياً.

إيران… خلاف لم يُغلق

ولا ينسى الرئيس ترامب أن نتنياهو عارض السياسة الأميركية التي انتهجها البيت الأبيض عندما وقّع ترامب «مذكرة التفاهم» الأميركية-الإيرانية في شهر حزيران الفائت.

وقد خلق ذلك، بحسب النص، مشكلات لترامب في «الداخل الأميركي»، سواء من جانب معترضين داخل الإدارة الأميركية أو من خارجها، ما دفع الأمور إلى تصعيد غير محسوب مع إيران في مضيق هرمز، وإلى مواجهات عسكرية، أو إلى طرح شروط أميركية جديدة لمتابعة المفاوضات مع طهران.

وترافق ذلك مع تصعيد في الحصار الاقتصادي والبحري وسياسات العقوبات، إضافة إلى حالة من التأرجح بين الخيارات وعدم اليقين.

غزة… عنصر تأزّم صامت

ثانياً، تدخل غزة كعنصر تأزّم صامت في العلاقة بين ترامب ونتنياهو.
فـ«مجلس السلام العالمي»، بحسب النص، هو مشروع أميركي كان وراءه الرئيس ترامب شخصياً، فيما يعيق انطلاقه عملياً، وفق هذا الطرح، استمرار السياسات الإسرائيلية في توسيع الانتشار العسكري في غزة، وضم الأراضي، والحؤول دون وصول المساعدات الإنسانية، وممارسة سياسات العقاب الجماعي.

وهنا يبدو التباين بين رؤية البيت الأبيض ومسار الحكومة الإسرائيلية أكثر وضوحاً، خصوصاً في ظل المساعي الأميركية لإيجاد تسوية للملف الفلسطيني.

لبنان… الاختبار الثالث

ثالثاً، يأتي الملف اللبناني، في ظل عدم التزام إسرائيل، عبر حكومة اليمين الديني التي يرأسها بنيامين نتنياهو، بالتوجه الأميركي تجاه لبنان، والرامي إلى الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، وانتشار الجيش اللبناني، وإعادة إعمار الجنوب، والوصول إلى اتفاق أمني، مع حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية.

ومن هنا، يبرز السؤال: على ماذا يراهن الرئيس الأميركي إسرائيلياً؟.
لا شك أنه ينتظر نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية. ولا يبدو، وفق هذا الطرح، أن هوية الفائز هي العامل الوحيد الذي يهمه، وإن كان من الأسهل له، ضمناً، أن تتشكل حكومة جديدة برئاسة غادي آيزنكوت.

وفي حال بقي نتنياهو على رأس الحكومة، يستطيع ترامب ممارسة ضغوط عليه، خصوصاً إذا توفرت معطيات تسمح بالتوصل إلى حل دبلوماسي أميركي-إيراني.

وهذا، وفق النص، ما يفسّر نصيحة السفير الأميركي ميشال عيسى للمسؤولين اللبنانيين بالانتظار وعدم التسرّع، لما بعد شهر تشرين الأول.

الغرب يرفع سقف الضغط

في المقابل، أصبح الموقف الغربي، البريطاني والفرنسي والإسباني والإيطالي والكندي، عنصراً ضاغطاً على نتنياهو، ولا سيما في ما يتعلق بسياسات الاستيطان في الضفة الغربية.

كما أن خروج غالبية الوفود خلال إلقاء نتنياهو كلمته في الأمم المتحدة شكّل، وفق هذا الطرح، نوعاً من «التصويت الدولي» السياسي ضده، ورسالة إلى الرئيس ترامب بشأن استمرار دعمه.

وفي المقابل، اقتصر الموقف الأميركي، بحسب النص، على انتقادات محدودة لسياسات العزل العربي والدولي التي يواجهها نتنياهو.

من «الحلفاء» إلى العزلة

والمفارقة أن نتنياهو ينتقد تحوّل «دول الحلفاء» عن مساندة إسرائيل، وهي الدول التي كانت وراء تأسيس «الدولة العبرية»، وخصوصاً بريطانيا وفرنسا، ويفسّر هذا التحول بأنه استجابة ضمنية لنزعة «معاداة السامية».
لكن هذا التفسير، وفق رؤية الكاتب، لا يفسّر وحده التحولات الغربية.

فالسبب الفعلي لهذا التحول، بحسب النص، يرتبط برؤية نتنياهو للمتغيرات الدولية، ولا سيما مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، باعتبارها مدخلاً لتوسّع جغرافي وهيمنة سياسية وتحويل إسرائيل إلى «قوة عظمى».

وهذا التوجه، وفق الكاتب، يلقى اعتراضات دولية متعددة، كما يشكّل مصدر قلق لدول المنطقة، بما فيها قوى إقليمية مثل تركيا وإيران وباكستان.

مرحلة مختلفة

بين الانتخابات الإسرائيلية، والحرب في غزة، والملف الإيراني، والمسار اللبناني، تبدو العلاقة بين ترامب ونتنياهو أمام مرحلة مختلفة عن مراحل التنسيق السابقة.

فالبيت الأبيض يحاول، وفق هذا الطرح، إدارة ملفات متعددة في الشرق الأوسط من موقع يوازن بين مصالحه الأميركية، وضغوط الداخل، وحسابات الانتخابات الإسرائيلية، ومسار الحرب في غزة، ومستقبل العلاقة مع إيران، إضافة إلى ترتيبات الوضع اللبناني.

وفي المقابل، يجد نتنياهو نفسه أمام ضغوط سياسية ودبلوماسية متزايدة، في وقت تتحول فيه مواقف عدد من الدول الغربية والعربية إلى عامل مؤثر في المشهد الإسرائيلي والدولي.

ويبقى السؤال الأبرز: هل تتحول هذه التباينات بين ترامب ونتنياهو إلى إعادة رسم للسياسة الأميركية تجاه إسرائيل وملفات المنطقة، أم أنها مجرد مرحلة ضغط قبل الانتخابات الإسرائيلية؟.

■ رئيس المجلس الوطني للإعلام
ميديا برس ليبانون _ قسم التحليل والآراء


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا