جلاء الأميركي من العراق: يوم كُتب التاريخ بالدم وتحقق حلم السيد الشهيد
■ الدكتور محمد هزيمة
تحليل وآراء: ميديا برس ليبانون – ليس من قبيل المصادفة، في قراءة كثير من أنصار محور المقاومة، أن يتزامن جلاء القوات الأميركية عن العراق مع الذكرى السنوية لشهادة السيد حسن نصر الله، بما يجعل المناسبة، في وجدانهم السياسي، لحظة تلتقي فيها ذكرى القائد مع مشهد خروج القوات الأميركية من أرض العراق.
ففي 30 أيلول/سبتمبر 2026، اكتملت عملية الانسحاب العسكري الأميركي من العراق، منهيةً أكثر من عقدين من الوجود العسكري الذي بدأ مع غزو عام 2003، فيما بقيت علاقات أمنية وسياسية واقتصادية بين بغداد وواشنطن قائمة بأشكال مختلفة. وتزامن الخروج مع انتقال المسؤولية الأمنية بصورة أكبر إلى المؤسسات العراقية، وسط نقاش عراقي وإقليمي حول مستقبل الأمن والنفوذ في البلاد.
من «الصدمة والترويع» إلى لحظة الجلاء
دخلت الولايات المتحدة العراق عام 2003 تحت عنوان إسقاط نظام صدام حسين، وارتبط الغزو بتبريرات أبرزها قضية أسلحة الدمار الشامل، التي لم يُعثر عليها لاحقًا بالصورة التي بُنيت عليها الحرب.
ومع سقوط بغداد، دخل العراق مرحلة إعادة تأسيس سياسي وأمني عميقة، كان من أبرز قرارات سلطة الائتلاف المؤقتة حل الجيش العراقي وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد الصراع محصورًا بين جيشين، بل تحول إلى مسار طويل من الاحتلال والمقاومة والعنف الطائفي والإرهاب وإعادة بناء الدولة.
وبعد أكثر من عقدين، تغادر القوات الأميركية العراق في لحظة مختلفة تمامًا عن تلك التي دخلت فيها. وبينما تعتبر طهران وفصائل عراقية مرتبطة بها الانسحاب انتصارًا استراتيجيًا، يحذّر محللون آخرون من أن خروج القوات الأميركية قد يفتح المجال أمام زيادة النفوذ الإيراني أو يخلق تحديات أمنية جديدة، ولا سيما في ظل استمرار تهديد تنظيم «داعش».
وهنا تكمن المفارقة: القوة التي دخلت بغداد معلنةً مشروعًا لإعادة تشكيل المنطقة، تغادر بعد أكثر من عشرين عامًا تاركةً وراءها عراقًا مختلفًا، ومنظومة إقليمية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه عام 2003.
فاتورة الحرب… أرقام تتجاوز الحسابات السياسية
أما الكلفة الإنسانية للحرب، فتبقى من أكثر الملفات إثارة للجدل بسبب اختلاف منهجيات احتساب الضحايا.
وتشير دراسة لمشروع Costs of War في جامعة براون إلى أن عدد القتلى في العراق بين عامي 2003 و2023 بلغ، وفق تقديراتها، نحو 280 ألفًا إلى 315 ألف شخص ضمن مختلف الفئات، مع نحو 4,599 قتيلًا من العسكريين الأميركيين.
أما تقديرات الكلفة المالية الأميركية للحربين في العراق وسوريا، فتصل وفق المشروع نفسه إلى نحو 2.89 تريليون دولار حتى عام 2023، بما يشمل النفقات المستقبلية المرتبطة برعاية المحاربين القدامى.
وهذه الأرقام لا تشمل وحدها كل الخسائر الاجتماعية والاقتصادية بعيدة المدى، ولا تختصر حجم المأساة التي عاشها العراقيون من قتل ونزوح وتدمير للبنى التحتية وتراجع في الخدمات، وهي آثار وثقتها دراسات متعددة، وإن اختلفت تقديراتها حول عدد الضحايا المباشرين وغير المباشرين.
ومن هنا، فإن الحديث عن «مليون قتيل» في العراق يحتاج إلى نسبة دقيقة إلى الدراسات التي تبنت هذه التقديرات، إذ إن بعض الدراسات التاريخية طرحت أرقامًا تتجاوز المليون، لكنها تعرضت أيضًا لانتقادات منهجية واسعة.
هل انتهى الاحتلال أم تغيّر شكل النفوذ؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا خرج الأميركي من العراق؟ بل أيضًا: ماذا بقي من النفوذ الأميركي بعد خروج القوات؟.
فالانسحاب العسكري لا يعني تلقائيًا نهاية العلاقة الأميركية بالعراق. وتكشف المعطيات الراهنة استمرار أشكال من التعاون الأمني والاقتصادي والمالي، فيما يشير تقرير حديث إلى استمرار نفوذ أميركي مهم في إدارة عائدات النفط العراقية من خلال النظام المالي الدولي.
وبذلك، فإن قراءة الجلاء باعتباره نهاية كاملة للنفوذ الأميركي تحتاج إلى التمييز بين الوجود العسكري المباشر وبين أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني التي يمكن أن تستمر بعد مغادرة القوات.
وهذا التفريق مهم لفهم المشهد الجديد بعيدًا عن الشعارات وحدها.
العراق… من ساحة الاحتلال إلى ساحة القرار
لقد أنتجت السنوات الطويلة التي أعقبت الغزو واقعًا عراقيًا جديدًا، صعدت فيه قوى سياسية وفصائل مسلحة لعبت أدوارًا مختلفة في مقاومة الاحتلال وفي مواجهة تنظيم «داعش»، قبل أن تصبح جزءًا من معادلة سياسية وأمنية أكثر تعقيدًا.
واليوم، ومع اكتمال الانسحاب الأميركي، يصبح الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة هو قدرة الدولة العراقية على إدارة أمنها وسيادتها، ومنع عودة التنظيمات المتطرفة، وفي الوقت نفسه إدارة التوازنات بين واشنطن وطهران وسائر القوى الإقليمية والدولية.
وهنا تحديدًا، تبدو صورة العراق بعد الانسحاب أكثر أهمية من مشهد الانسحاب نفسه.
من العراق إلى الشرق الأوسط… هل تغيّرت المعادلة؟
يرى الكاتب أن ما جرى في العراق لا يمكن فصله عن مسار أوسع شهدته المنطقة خلال العقدين الماضيين؛ من أفغانستان، إلى اليمن، إلى لبنان وغزة، وصولًا إلى المواجهة المتصاعدة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
لكن تقييم هذه الملفات باعتبارها «هزائم أميركية» أو «انتصارات لمحور المقاومة» يبقى، في النهاية، قراءة سياسية تحتاج إلى وضعها في إطار الوقائع الميدانية والتطورات التي لم تُحسم نتائجها بصورة نهائية.
الثابت أن المنطقة التي دخلتها الولايات المتحدة عام 2003 ليست المنطقة التي تغادرها اليوم.
فالتوازنات تغيرت، وبرزت قوى إقليمية جديدة، وتطورت قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة، واتسعت قدرة الفاعلين من غير الدول على التأثير في المعادلات الأمنية، فيما لم تعد واشنطن اللاعب الوحيد القادر على تحديد مسارات المنطقة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الجلاء الأميركي عن العراق بوصفه نهاية مرحلة عسكرية بدأت بالغزو، وبداية مرحلة جديدة سيكون عنوانها الأساسي: من يملك القرار العراقي، ومن يحدد شكل التوازن الإقليمي المقبل؟
ذكرى القادة… وذاكرة العراق
في ذكرى السيد حسن نصر الله، يرى أنصاره أن خروج القوات الأميركية من العراق يلامس حلمًا طالما ارتبط بخطاب المقاومة حول إنهاء الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
لكن التاريخ، كما يقول الكاتب، لا يُكتب باللحظة وحدها.
فالعراق دفع ثمنًا هائلًا خلال أكثر من عقدين، والولايات المتحدة دفعت بدورها أثمانًا بشرية ومالية وسياسية كبيرة، فيما لا تزال تداعيات الحرب حاضرة في بنية العراق والمنطقة.
لقد دخل الأميركي إلى بغداد تحت عنوان «الصدمة والترويع – Shock and Awe»، وخرج بعد أكثر من عشرين عامًا.
ويبقى السؤال الأهم الذي تطرحه لحظة الجلاء:
هل يمثل خروج القوات الأميركية نهاية مشروع بدأ في بغداد عام 2003، أم مجرد انتقال من الاحتلال العسكري المباشر إلى أدوات أخرى من النفوذ والتأثير؟.
الإجابة لن يكتبها الاحتفال وحده، ولا البيانات السياسية وحدها، بل ستكتبها السنوات المقبلة في العراق والمنطقة.
فما بعد الجلاء قد يكون أهم من الجلاء نفسه؛ لأن التحدي الحقيقي أمام العراق ليس فقط أن يخرج الجندي الأجنبي من أرضه، بل أن يثبت قدرته على حماية قراره وسيادته واستقراره، وأن يمنع تحويل أرضه مجددًا إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى والإقليمية.
■ كاتب سياسي وباحث استراتيجي ومستشار في العلاقات الدولية
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ قسم التحليل والآراء




اترك تعليقًا