الموت القلبي المفاجئ عند الرياضيين في لبنان والعالم: لماذا يتوقف قلب من يبدو سليماً؟
الجزء الأول | ملف طبي– ميديا برس ليبانون
بقلم الدكتور طلال حمود
طبيب متخصص في أمراض القلب والشرايين والقسطرة وتوسيع الشرايين
محليات _ ميديا برس ليبانون _ لماذا يمكن لقلب شاب يبدو سليماً، أو لرياضي يتمتع بلياقة بدنية عالية، أن يتوقف فجأة؟ وهل تكون الرياضة هي السبب، أم أنها تكشف أحياناً مرضاً قلبياً صامتاً لم يكن معروفاً؟.
هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة مع تكرار حالات الوفاة المفاجئة في الملاعب وخارجها، في وقت لا تزال فيه أمراض القلب والأوعية الدموية تتصدر أسباب الوفاة عالمياً.
بعد تناولنا في الأجزاء السابقة مفهوم توقّف القلب المفاجئ وكيفية التعرف إليه والتعامل معه، ننتقل في هذا الجزء إلى موضوع مختلف وإن كان مرتبطاً به مباشرة: الموت القلبي المفاجئ، وخصوصاً لدى الرياضيين والشباب الذين قد لا تبدو عليهم أي علامات مرضية واضحة.
أولاً: توقّف القلب المفاجئ ليس هو الموت القلبي المفاجئ
يحدث الخلط أحياناً بين المصطلحين، رغم أن الفرق بينهما أساسي.
توقّف القلب المفاجئ – Sudden Cardiac Arrest (SCA) هو توقف مفاجئ للدوران الدموي نتيجة عجز القلب عن ضخ الدم بصورة فعالة، ما يؤدي عادةً إلى فقدان الوعي وغياب التنفس الطبيعي. وهي حالة طارئة يمكن أن ينجو منها المصاب إذا بدأ الإنعاش القلبي الرئوي بسرعة، واستُخدم جهاز إزالة الرجفان الخارجي الآلي AED عندما يكون النظم قابلاً للصدمة.
أما الموت القلبي المفاجئ – Sudden Cardiac Death (SCD) فهو وفاة طبيعية وغير متوقعة ناجمة عن سبب قلبي، تحدث بصورة مفاجئة، وقد تسبقها أعراض قصيرة أو تحدث أحياناً من دون إنذار واضح.
وبالتالي، فإن الشخص الذي يتعرض لتوقف قلب مفاجئ ويتم إنقاذه لا يُصنّف على أنه توفي بموت قلبي مفاجئ، بل تعرّض لتوقف قلب ونجا منه.
ثانياً: حجم المشكلة عالمياً في عام 2026
لا تزال أمراض القلب والأوعية الدموية في صدارة أسباب الوفاة حول العالم.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن أمراض القلب والأوعية الدموية تسببت بنحو 19.8 مليون وفاة عام 2022، أي قرابة ثلث الوفيات عالمياً، وكان احتشاء عضلة القلب والسكتة الدماغية يمثلان الحصة الأكبر من هذه الوفيات.
أما البيانات الأحدث المنشورة في عام 2026، والمبنية على أرقام عام 2023، فتشير إلى أن مرض القلب الإقفاري بقي السبب الأول للوفاة عالمياً، مع نحو 9.5 ملايين وفاة.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن جميع هذه الوفيات كانت مفاجئة. وهنا تكمن أهمية التمييز بين العبء العام لأمراض القلب وبين ظاهرة الموت القلبي المفاجئ.
فمرض الشرايين التاجية يشكل سبباً رئيسياً للموت القلبي المفاجئ لدى البالغين، فيما تختلف الأسباب عندما ننتقل إلى الأطفال والمراهقين والشباب والرياضيين.
ثالثاً: ماذا عن لبنان؟
في لبنان، تبرز مشكلة أساسية تتمثل في غياب سجل وطني شامل وموثوق لحالات الموت القلبي المفاجئ خارج المستشفيات، وخصوصاً لدى الرياضيين.
وبالتالي، فإن إعطاء أرقام محددة عن عدد هذه الوفيات سنوياً يحتاج إلى حذر شديد، ما لم يستند إلى قاعدة بيانات وطنية موثوقة.
لكن ذلك لا يعني أن الخطر غير موجود.
فالمعطيات الصحية المتوافرة تشير إلى عبء مرتفع من عوامل الخطورة القلبية الوعائية في المجتمع اللبناني، بينها التدخين، ارتفاع ضغط الدم، السكري، زيادة الوزن والسمنة، اضطرابات الدهون وقلة النشاط البدني.
وتشير استراتيجية منظمة الصحة العالمية للتعاون مع لبنان 2026–2029 إلى أن الأمراض غير السارية شكّلت نحو 64% من مجموع الوفيات بين البالغين في لبنان عام 2022، كما تشير بيانات صحية إلى وجود نسبة مهمة من السكان في الفئة العمرية 40–69 عاماً ضمن مستويات مرتفعة من الخطورة القلبية الوعائية.
هذه المؤشرات تضع الوقاية من أمراض القلب والشرايين في صلب الأولويات الصحية، لكنها لا تسمح وحدها بتحديد عدد حالات الموت القلبي المفاجئ في لبنان أو بين الرياضيين اللبنانيين.
رابعاً: كيف يتوقف القلب فجأة؟
في كثير من حالات الموت القلبي المفاجئ، تكون الآلية النهائية عبارة عن اضطراب كهربائي خطير في القلب يؤدي إلى توقف الدورة الدموية.
ومن أبرز هذه الاضطرابات:
1 ـ الرجفان البطيني – Ventricular Fibrillation (VF)
تحدث فوضى كهربائية شديدة في البطينين، فتفقد انقباضاتهما انتظامها وفعاليتها، ويتوقف القلب عملياً عن ضخ الدم.
2 ـ التسرّع البطيني – Ventricular Tachycardia (VT)
يصبح نظم البطينين سريعاً بصورة شديدة، وقد يصبح الضخ غير فعال، كما يمكن أن يتحول التسرّع البطيني إلى رجفان بطيني.
3 ـ النظم غير القابل للصدمة
ومن أبرزها:
– Asystole
– Pulseless Electrical Activity – PEA
وفي هذه الحالات لا تكون إزالة الرجفان هي العلاج، بل يتركز التدبير على الإنعاش القلبي الرئوي ومعالجة الأسباب القابلة للعكس.
وفي جميع هذه الحالات، تكون النتيجة انقطاع وصول الدم والأكسجين إلى الدماغ والأعضاء الحيوية.
ولهذا فإن كل دقيقة تمر من دون تدخل فعّال قد تقلل فرص النجاة، ما يجعل سرعة التعرف إلى الحالة وبدء الإنعاش واستخدام جهاز AED عوامل حاسمة.
خامساً: ما أبرز أسباب الموت القلبي المفاجئ؟
لا يوجد سبب واحد لجميع الحالات؛ فالعمر والحالة الصحية ووجود أمراض قلبية كامنة عوامل أساسية في تحديد السبب.
أ ـ مرض الشرايين التاجية
يُعد من أهم أسباب الموت القلبي المفاجئ لدى البالغين، وخصوصاً مع التقدم في العمر.
فتمزق اللويحة العصيدية داخل الشريان التاجي وتشكّل جلطة حادة قد يؤديان إلى احتشاء عضلة القلب، والذي يمكن أن يترافق مع اضطراب خطير في نظم البطينين.
وتزداد المخاطر مع:
– التدخين.
– ارتفاع ضغط الدم.
– السكري.
– ارتفاع LDL والكوليسترول.
– السمنة.
– قلة النشاط البدني.
– التاريخ العائلي.
– التقدم في العمر.
– بعض المخدرات، ومنها الكوكايين.
ب ـ أمراض عضلة القلب
ومن أبرزها:
– اعتلال عضلة القلب الضخامي HCM.
– اعتلال عضلة القلب التوسعي.
– اعتلال عضلة القلب اضطرابي المنشأ Arrhythmogenic Cardiomyopathy.
– بعض أشكال تليف عضلة القلب.
– التهاب عضلة القلب Myocarditis.
وتكتسب هذه الأمراض أهمية خاصة عند الشباب والرياضيين.
ج ـ الأمراض الكهربائية والوراثية
قد يبدو القلب طبيعياً من الناحية البنيوية، بينما يكمن الخلل في النظام الكهربائي أو القنوات الأيونية التي تتحكم في النشاط الكهربائي للقلب.
ومن الحالات التي تستحق الانتباه:
– Long QT Syndrome
– Brugada Syndrome
– بعض اضطرابات القنوات الأيونية الوراثية.
– بعض حالات Wolff-Parkinson-White – WPW.
– بعض حالات الرجفان البطيني مجهول السبب.
وقد تفسر هذه الاضطرابات جزءاً من حالات الموت المفاجئ لدى أشخاص صغار السن من دون وجود انسداد واضح في الشرايين التاجية.
د ـ التشوهات الخلقية
ومنها بعض التشوهات المتعلقة بمنشأ ومسار الشرايين التاجية، إضافة إلى بعض أمراض القلب الخلقية التي قد لا تكون قد شُخّصت في مرحلة الطفولة.
هـ ـ أسباب أخرى
يمكن أن تشمل:
– تسلّخ الأبهر الحاد.
– بعض أمراض صمامات القلب.
– الانصمام الرئوي.
– اضطرابات شديدة في البوتاسيوم أو المغنيسيوم.
– نقص الأكسجة والاختناق.
– ضربة الشمس الشديدة.
– بعض الأدوية والسموم والمخدرات.
– Commotio Cordis، وهي حالة نادرة يمكن أن يحدث فيها اضطراب كهربائي قاتل إثر ضربة قوية ومفاجئة إلى منطقة الصدر في لحظة حساسة من الدورة الكهربائية للقلب، حتى لدى شخص لا يعاني من مرض قلبي بنيوي.
سادساً: هل الرياضة نفسها تقتل القلب؟
هنا يجب تصحيح مفهوم شائع.
الرياضة بحد ذاتها ليست سبباً للموت القلبي المفاجئ.
بل إن النشاط البدني المنتظم يُعد من أهم الوسائل للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية وتحسين صحة القلب على المدى الطويل.
لكن الجهد الرياضي الشديد يمكن، في حالات محددة، أن يعمل كمحفّز لاضطراب خطير في نظم القلب لدى شخص يحمل مرضاً قلبياً غير مكتشف.
بمعنى آخر، قد لا تكون الرياضة هي المرض، وإنما قد تكشف أو تحفّز حدثاً خطيراً لدى شخص لديه استعداد أو مرض قلبي كامن.
سابعاً: هل الموت القلبي المفاجئ شائع بين الرياضيين؟
رغم خطورته، يبقى الموت القلبي المفاجئ عند الرياضيين حدثاً نادراً نسبياً، مع اختلاف كبير في معدلات حدوثه بحسب العمر والجنس ونوع الرياضة وطريقة جمع البيانات وتعريف الحالات.
وتشير إرشادات الجمعية الأوروبية لأمراض القلب إلى أن التقديرات لدى الرياضيين الشباب التنافسيين بعمر 35 عاماً أو أقل تراوحت في الدراسات بين نحو 0.4 و3 حالات وفاة لكل 100 ألف رياضي-سنة، فيما ترتفع التقديرات لدى الرياضيين الأكبر من 35 عاماً إلى نحو 2–6.3 حالات لكل 100 ألف رياضي-سنة.
وهذه الأرقام ليست رقماً ثابتاً ينطبق على كل دولة أو كل رياضي، كما أن اختلاف طرق تسجيل الحالات يجعل المقارنة بين الدراسات والدول أمراً صعباً.
ثامناً: العمر يغيّر طبيعة الخطر
عند الرياضيين الشباب
ينبغي التفكير خصوصاً في:
– الأمراض الوراثية.
– اضطرابات كهرباء القلب.
– اعتلالات عضلة القلب.
– بعض التشوهات الخلقية للشرايين.
– التهاب عضلة القلب.
عند الرياضيين الأكبر سناً
تزداد أهمية مرض الشرايين التاجية وتصلب الشرايين، مع بقاء الأسباب الأخرى ممكنة.
ومن هنا، فإن اللياقة البدنية وحدها لا تعني أن الرياضي محصّن ضد أمراض القلب، كما أن حدوث وفاة مفاجئة في ملعب لا يعني تلقائياً أن الرياضة كانت السبب المباشر.
الخلاصة: الوقاية تبدأ قبل الملعب
الموت القلبي المفاجئ ليس ظاهرة يمكن اختزالها في عبارة «شاب رياضي مات فجأة»، فخلف كل حالة قد توجد آلية مختلفة ومرض مختلف وعوامل خطورة مختلفة.
وفي لبنان، تزداد الحاجة إلى التعامل مع الموضوع من منظور طبي ووقائي، لا من منظور الخوف من ممارسة الرياضة.
فالهدف ليس إبعاد الشباب عن الرياضة، وإنما جعل الرياضة أكثر أماناً، واكتشاف الأمراض القلبية الصامتة عندما يكون ذلك ممكناً، والأهم أن يكون المحيطون بالرياضي قادرين على التعرف سريعاً إلى توقف القلب وبدء الإنعاش واستخدام جهاز AED.
في الجزء الثاني
سننتقل بصورة أكثر تفصيلاً إلى الموت القلبي المفاجئ عند الرياضيين تحديداً، ونبحث في:
– ما الأمراض الأكثر شيوعاً بحسب العمر؟
– ما العلامات والأعراض التي يجب ألا يتجاهلها الرياضي؟
– هل يحتاج كل رياضي إلى تخطيط قلب وإيكو؟
– متى نلجأ إلى اختبار الجهد أو الـHolter؟
– متى يصبح الرنين المغناطيسي للقلب أو التصوير الطبقي للشرايين التاجية ضرورياً؟
– ما علاقة التهاب عضلة القلب بالموت المفاجئ والعودة إلى الرياضة؟
– كيف يؤثر التدخين والمنشطات والمخدرات والجفاف والحرارة الشديدة وبعض المكملات؟
– وما الذي يمكن أن تفعله الأندية والمدارس والجامعات والملاعب للحد من الوفيات؟
فالهدف النهائي ليس تخويف الرياضي من الرياضة، بل حماية قلبه، وحماية من حوله، وإنقاذ الدقائق الأولى عندما يحدث توقّف قلبي مفاجئ.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الصحي
الدكتور طلال حمود
طبيب متخصص في أمراض القلب والشرايين والقسطرة وتوسيع الشرايين
أمراض القلب عند الرياضيين وعند المصابين بمرض السكري



اترك تعليقًا