“أبو عمر” جديد يظهر في لبنان… من هو “العقيد العراقي الوهمي” الذي اخترق السياسة والأمن؟
خاص_ميديا برس ليبانون
■أحمد موسى
#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 من “الأمير السعودي الوهمي” إلى “العقيد العراقي المزيّف”، يبدو أن لبنان لا يزال أرضًا خصبة لمنتحلي الصفات، حيث تختلط البروتوكولات بالعلاقات الشخصية، وتُفتح أبواب المؤسسات أحيانًا بالبدلات العسكرية أكثر مما تُفتح بالتدقيق الأمني.
الفضيحة الجديدة التي هزّت الأوساط السياسية والأمنية في بيروت، لم تكن مجرّد حادثة تزوير عادية، بل كشفت حجم الترهل داخل منظومة يفترض أنها تُتقن “العمل الاستباقي”، فيما نجح رجل يعمل ليلًا في بيع الخضار والفواكه بالتنقّل بين المكاتب الأمنية والسياسية تحت صفة “عقيد عراقي” ومسؤول أمني في السفارة العراقية.
قصة طارق الحسيني، أو “العقيد الوهمي”، أعادت إلى الأذهان ملف “أبو عمر” الذي انتحل صفة أمير سعودي قبل سنوات، لكنها هذه المرة تطرح أسئلة أخطر: من أدخله إلى دوائر القرار؟ ومن وفّر له الغطاء؟ وكيف استطاع شخص واحد أن “يركب” على أجهزة كاملة ويحوّل نفسه إلى شخصية نافذة في بلدٍ يعيش أصلًا على وهم النفوذ والعلاقات الخارجية؟
من بائع خضار إلى “عقيد” يتجوّل بين الأجهزة
بحسب معلومات أمنية وسياسية متقاطعة، فإن العراقي طارق الحسيني لم يقتحم المؤسسات الأمنية بالقوة، بل دخل إليها عبر “الاختراق الناعم”، مستفيدًا من هشاشة العلاقات البروتوكولية وضعف التدقيق في خلفيات الشخصيات الأجنبية التي تتحرك تحت عناوين دبلوماسية وأمنية.
الرجل الذي عمل لسنوات في توصيل الخضار والفواكه داخل لبنان، نجح تدريجيًا في بناء صورة “المسؤول الأمني العراقي”، متنقلًا ببزّة عسكرية مزيفة، وحاملًا أوراقًا ومستندات قيل لاحقًا إنها مزوّرة.
وتكشف مصادر متابعة لـ”ميديا برس ليبانون” أن الحسيني نسج شبكة علاقات بدأت من بيروت، وتحديدًا من منطقة الحمرا، قبل أن تتوسّع نحو شخصيات سياسية وأمنية ومناطقية، حيث كان يُقدَّم في المجالس الخاصة على أنه “الملحق الأمني العراقي” أو “العقيد المسؤول عن أمن السفارة العراقية”.
من الحمرا إلى اليرزة… اختراق تحت أعين الجميع
المفارقة الصادمة، وفق المعلومات، أن “العقيد الوهمي” لم يكتفِ بالظهور الاجتماعي أو حضور المناسبات، بل تمكّن من الوصول إلى مكاتب حساسة وعقد لقاءات مع شخصيات أمنية رفيعة.
وتشير المعطيات إلى أنه التقى مدير عام أمن الدولة اللواء ادغار لاوندس أكثر من مرة، عارضًا أفكارًا ومشاريع مرتبطة بالتعاون الأمني بين بغداد وبيروت، ومتحدثًا عن إمكانيات دعم وتطوير لقدرات بعض الأجهزة عبر قنوات عراقية مزعومة.
في المقابل، تؤكد المعلومات أنه حاول مرارًا الوصول إلى نائب مدير أمن الدولة العميد مرشد الحاج سليمان، لكنه لم يحصل على موعد رسمي، كما أخفق في ترتيب لقاء مع مدير عام الأمن العام اللواء حسن شقير، الذي يعتمد قنوات تنسيق مباشرة مع السلطات العراقية الرسمية.
لكن، وبرغم فشل بعض محاولاته، فإن مجرد تمكنه من اختراق دوائر القرار الأمني، والتنقل داخل بيئات رسمية وحضور ولائم واجتماعات بصفة “العقيد العراقي”، يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول فعالية “الفلترة الأمنية” وآليات التحقق من هويات الشخصيات الأجنبية.
الولائم… والمشهد اللبناني نفسه
مصادر أمنية متابعة تؤكد أن الحسيني دخل منازل ضباط وشخصيات نافذة، وشارك في مناسبات ولقاءات خاصة أُقيم بعضها على شرف “الملحق الأمني العراقي”، في مشهد يعكس كيف يمكن للرمزية العسكرية والادعاء بالعلاقات الخارجية أن يفتحا أبواب النفوذ سريعًا في لبنان.
وفي الكواليس، تحوّل الملف إلى مادة سخرية وغضب في آن، بعدما وصف ناشطون ما جرى بأنه “فضيحة حدّاد سيارات قاد طبقة سياسية بكندرته”، فيما رأى آخرون أن “خضرجيًا عراقيًا ركب على الأجهزة ودلّى رجليه”، في توصيف ساخر لحجم الاختراق الذي تحقق.
الأخطر أن القضية أعادت إلى الواجهة ملف عشرات الشباب الذين تعرضوا سابقًا للتوقيف أو الملاحقة استنادًا إلى تقارير وتحليلات أمنية وُصفت بالدقيقة، فيما عجزت المنظومة نفسها عن كشف شخصية مزيفة تجولت لسنوات بين المؤسسات.
بغداد كشفت اللعبة… وبيروت تحرّكت متأخرة
وبحسب مصادر “ميديا برس ليبانون”، فإن الشبهات بدأت تتصاعد بعد تكرار ظهور الحسيني وطلبه مواعيد ولقاءات مع مسؤولين وضباط لبنانيين، ما دفع السلطات العراقية إلى الاستفسار عن هويته الحقيقية عبر السفارة العراقية في بيروت.
عندها، تبيّن أن الرجل لا يمتلك أي صفة رسمية، لتُبلّغ السفارة الجهات اللبنانية بالأمر، قبل أن تتحرك مديرية المخابرات في الجيش اللبناني بإشراف مديرها العميد طوني قهوجي، وتوقف الحسيني خلال الأسبوع الأول من أيار الجاري.
وتشير المعلومات إلى أن مديرية المخابرات أبلغت النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الذي يُنتظر أن يدّعي على الحسيني بتهم تتعلق بانتحال صفة أمنية واستعمال مستندات مزورة.
وكان الجيش اللبناني أعلن رسميًا أن مديرية المخابرات أوقفت العراقي (ط.ن.) لانتحاله صفة مسؤول أمني عراقي داخل الأراضي اللبنانية، وضبطت البزة العسكرية التي كان يستخدمها، مؤكدة استمرار التحقيق بإشراف القضاء المختص.
من “أبو عمر” إلى الحسيني… السيستم نفسه
لا تبدو قصة طارق الحسيني بعيدة عن قضية “أبو عمر” أو ما عُرف بـ”الأمير السعودي الوهمي”، الذي استطاع بدوره اختراق بيئات سياسية ودينية وإعلامية قبل سقوطه.
القاسم المشترك بين الملفين لا يكمن فقط في انتحال الصفات، بل في البيئة اللبنانية نفسها، حيث تتحول العلاقات الشخصية والولاءات السياسية والطائفية إلى بديل عن التدقيق المؤسساتي الحقيقي.
فالاختراق هنا لم يكن أمنيًا فقط، بل نفسيًا وسياسيًا أيضًا، قائمًا على وهم النفوذ الخارجي وقدرة “الزائر العربي” على فتح أبواب الدعم والتنسيق والوساطات.
سقطة تلوى أخرى
سقط “العقيد الوهمي”، وقبله سقط “أبو عمر”، لكن ما لم يسقط بعد هو النظام الذي يسمح لمثل هذه الشخصيات بالتسلل إلى قلب المؤسسات.
في لبنان، لا يحتاج المحتال دائمًا إلى شبكة تجسس معقدة أو إمكانيات خارقة، بل يكفي أحيانًا بزّة عسكرية مزيفة، ولهجة مقنعة، وبعض الصور والولائم، ليصبح “شخصية نافذة” في بلد يعيش منذ عقود على هشاشة الدولة ووهم العلاقات والمرجعيات الخارجية.
ويبقى السؤال الأخطر: كم “عقيدًا وهميًا” آخر يتحرك اليوم داخل دهاليز السياسة والأمن… من دون أن يكتشفه أحد؟
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم الأمني والتحقيقي



اترك تعليقًا