الجانب الثالث… وعزف أميركي بارد على أعصاب العالم الملتهب
ميديا برس ليبانون
د. راشد الشاشاني
#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 في لحظة إقليمية تتشابك فيها خطوط النار مع خرائط المصالح، يبدو أن الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، لا تدير المواجهة مع إيران من موقع الخصم المباشر بقدر ما تعيد هندسة مسرح الصراع نفسه. فالمعادلة لم تعد تقوم فقط على الردع العسكري أو العقوبات، بل على خلق “جانب ثالث” يُدفَع تدريجياً إلى قلب الاشتباك السياسي والأمني، فيما تبقى واشنطن في موقع المايسترو الذي يضبط الإيقاع من بعيد، ويترك الآخرين يستهلكون أعصابهم وأوزانهم في المعركة.
الدكتور الشاشاني
يرى الكاتب الدكتور راشد الشاشاني أنّ ما يجري في المنطقة يتجاوز بكثير الصورة التقليدية للصراع الأميركي – الإيراني، إذ تبدو إدارة ترامب وكأنها تعمل على إعادة توزيع الخصومات والتحالفات بطريقة تتيح لواشنطن الابتعاد التكتيكي عن المواجهة المباشرة، مقابل دفع قوى إقليمية أخرى إلى الواجهة.
ويشير الشاشاني إلى أنّ خطاب ترامب الأخير، الذي رفع فيه اتفاقيات أبراهام إلى مستوى “المقدّس السياسي”، لم يكن مجرّد دعوة دبلوماسية، بل محاولة لإعادة تشكيل شبكة الاصطفافات في المنطقة. ويستحضر في هذا السياق تحذيرات السيناتور الأميركي ليندسي غراهام بشأن “العواقب الوخيمة” لعدم الانضمام إلى هذه الاتفاقيات، معتبراً أنّ الأمر يدخل ضمن استراتيجية أوسع لإعادة ضبط التوازنات الإقليمية.
ويلفت إلى أنّ المشهد الأكثر إثارة لا يكمن في طبيعة هذه التحركات، بل في طريقة تركيبها، وخصوصاً من خلال استثناء دول محورية كتركيا ومصر من بعض الترتيبات الأولية، بالتزامن مع تسريبات عن تحالف عربي محتمل لمواجهة تهديدات الفصائل العراقية المسلحة. وبحسب القراءة المطروحة، فإنّ تغييب أنقرة والقاهرة لم يكن تفصيلاً عابراً، بل جزءاً من محاولة أميركية للتعامل مع صعود محاور إقليمية جديدة لم تعد تعتبر الرضا الأميركي أولوية مطلقة.
ويعتبر الكاتب أنّ إدخال مصر وتركيا لاحقاً في محادثات مرتبطة بإبرام تفاهمات مع إيران، يحمل في طياته محاولة لتحويل هذه القوى من أطراف وسيطة إلى أطراف منخرطة مباشرة في التناقضات الإقليمية، خصوصاً أنّ أي تواصل مع طهران لن يتمّ من دون تفاهمات وتنازلات متبادلة قد تفرض وقائع سياسية جديدة على الجميع.
وبحسب الشاشاني، فإنّ واشنطن تسعى إلى خلق حالة تصبح فيها القوى الإقليمية أكثر تورطاً في إدارة الأزمة، فيما يحتفظ ترامب لنفسه بدور “صانع التسويات” أو “وسيط السلام”، القادر لاحقاً على التدخل لفضّ الاشتباكات السياسية مقابل تحصيل مكاسب من مختلف الأطراف، وعلى رأسها إيران.
كما يتوقف عند المشهد العراقي، الذي يشهد انقساماً حاداً بين من يدعو إلى مواجهة الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، ومن يرفض المسّ بها. ويرى أنّ التحركات السياسية، ومنها زيارة رئيس حزب “تقدّم” محمد الحلبوسي إلى تركيا، تعكس محاولة لإعادة رسم خطوط النفوذ داخل العراق، في ظلّ مساعٍ لتحويل ملف السلاح إلى عنوان انقسام سياسي وطائفي بين “سنّي” و”شيعي”.
ويتابع أنّ إدخال إيران في مسار تفاهمات إقليمية مرتبطة باتفاقيات أبراهام يهدف عملياً إلى جعل جميع الأطراف معنيين بالحفاظ على الاتفاق أكثر من رغبتهم في استمرار الصراع، بما يؤدي إلى تفكيك معادلة “ضرب الخارج بالداخل وضرب الداخل بالخارج”.
وفي ما يتعلق بالمواجهة مع إيران، يؤكد الشاشاني أنّ ترامب لا يبدو مستعجلاً للوصول إلى اتفاق نهائي، بل يعتمد سياسة المماطلة وشراء الوقت بانتظار لحظة أكثر ملاءمة. ويرى أنّ امتلاك إيران ورقة مضيق هرمز تحوّل من عنصر قوة مطلق إلى عبء معقد، لأن أي اتفاق يؤدي إلى فتح المضيق سيستلزم، وفق تعبيره، تنازلات كبيرة قد تمنح خصومها أكثر مما تحصل عليه.
ويختم بالقول إنّ ترامب يتعمّد إظهار عدم الاكتراث بملف المضيق أو التباطؤ في إنجاز أي اتفاق، في محاولة لإقناع طهران بأنّ واشنطن ليست في موقع المستعجل، بينما تستخدم هذه السياسة كأداة ضغط نفسية وسياسية ضمن لعبة طويلة الأعصاب.
مرحلة جديدة من الصراعات المركبة
بين سياسة “الجانب الثالث” وإعادة تدوير الخصومات الإقليمية، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة من الصراعات المركّبة، حيث لم تعد الحروب تُدار فقط بالصواريخ والجيوش، بل عبر هندسة الاصطفافات وتوزيع الأدوار وإغراق الجميع في حسابات متشابكة. وفي قلب هذا المشهد، يحاول ترامب أن يبقى خارج دائرة الاحتراق المباشر، ممسكاً بخيوط لعبة قد تنفجر في أي لحظة أو تتحول إلى صفقة كبرى تُرسم على أنقاض التوازنات القديمة.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحليل والآراء



اترك تعليقًا