بين إنذار الضاحية ومعركة الشقيف: هل تُعاد صياغة قواعد الاشتباك أم تُرسم خرائط الشرق الأوسط الجديدة؟

بين إنذار الضاحية ومعركة الشقيف: هل تُعاد صياغة قواعد الاشتباك أم تُرسم خرائط الشرق الأوسط الجديدة؟

ميديا برس ليبانون

#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يتجاوز التصعيد الإسرائيلي في لبنان حدود الرسائل العسكرية التقليدية ليصبح جزءاً من مشهد أوسع يتصل بإعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط بعد حرب غزة. فبين إنذارات الإخلاء الموجهة إلى سكان الضاحية الجنوبية لبيروت، ومحاولات الجيش الإسرائيلي تسويق إنجازات ميدانية مثيرة للجدل في جنوب لبنان، تبرز أسئلة جوهرية حول أهداف التصعيد وحدود القوة العسكرية وقدرة الأطراف المختلفة على فرض معادلات جديدة في المنطقة.

إنذار الضاحية… رسالة ردع أم اعتراف بتأثير الصواريخ؟

أثار الإنذار الإسرائيلي الموجّه إلى سكان الضاحية الجنوبية لبيروت اهتماماً سياسياً وأمنياً واسعاً، ليس فقط بسبب توقيته، بل بسبب المضمون الذي تضمن شرطاً واضحاً لوقف استهداف المباني السكنية، يتمثل بتوقف إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل.

ومن منظور أمني ميداني، يكشف هذا الخطاب الإسرائيلي عن إقرار غير مباشر بفاعلية الضغط العسكري الذي تمارسه الصواريخ في معادلة المواجهة. فربط القصف أو وقفه بسلوك الطرف المقابل يعكس إدراكاً بأن الميدان لا يزال قادراً على التأثير في القرار السياسي والعسكري الإسرائيلي، رغم التفوق الجوي والتكنولوجي الذي تمتلكه تل أبيب.

في المقابل، تسعى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى نقل مسؤولية أي تصعيد مستقبلي إلى ح_ز_ب الله، عبر تقديم نفسها أمام الرأي العام الدولي على أنها تمنح “فرصة لتجنب الاستهداف”، في محاولة واضحة لإعادة صياغة الرواية السياسية للحرب.

الشقيف… بين الواقع الميداني والحرب الإعلامية

تزامناً مع هذه الإنذارات، حاولت إسرائيل تسويق دخول قواتها إلى منطقة قلعة الشقيف بوصفه إنجازاً عسكرياً نوعياً. إلا أن معطيات ميدانية متقاطعة تشير إلى أن الموقع لم يشهد مواجهة مباشرة أو سيطرة على قوة عسكرية فاعلة، ما يطرح تساؤلات حول القيمة العملياتية الفعلية لهذه الخطوة.

ويرى مراقبون أن الإعلان عن السيطرة على مواقع رمزية قد يندرج ضمن إطار الحرب النفسية الهادفة إلى تعويض محدودية الإنجازات الميدانية الحاسمة، خصوصاً في ظل استمرار قدرة الأطراف المقابلة على تنفيذ عمليات وإطلاق صواريخ رغم حجم العمليات العسكرية الإسرائيلية.

الجنوب اللبناني… محاولة لتكريس معادلة جديدة

في الوقت الذي تُطرح فيه شروط لعدم قصف الضاحية، تتواصل الغارات والعمليات التدميرية في العديد من قرى الجنوب اللبناني، ولا سيما في مناطق صور والنبطية والقطاع الشرقي.

هذا التناقض يفتح الباب أمام فرضية أمنية مفادها أن إسرائيل تسعى إلى تكريس معادلة تسمح لها بحرية عمل عسكرية واسعة داخل الجنوب، مع حصر النقاش الدولي في مسألة الصواريخ المتجهة نحو الداخل الإسرائيلي.

وبذلك، يصبح الهدف غير المعلن هو تثبيت واقع ميداني جديد يُبقي الجنوب تحت ضغط عسكري دائم، مع محاولة تحييد الانتقادات المرتبطة بالدمار الواسع الذي طال البنية المدنية والسكنية.

ما بعد غزة: إعادة تشكيل النظام الإقليمي

بعيداً عن الميدان اللبناني، تبدو هذه التطورات جزءاً من تحولات أوسع تشهدها المنطقة منذ اندلاع حرب غزة. فالمعطيات السياسية والاستراتيجية تشير إلى أن واشنطن تعمل على إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية عبر مسارين متوازيين: محاولة إحياء مسار التطبيع الإقليمي من جهة، وإدارة المواجهة مع إيران ضمن سقوف مدروسة من جهة أخرى.

غير أن الحرب كشفت حدود القدرة الأمريكية على فرض ترتيبات أحادية الجانب. فقد أظهرت الأحداث أن شبكة التحالفات التقليدية لم تعد كافية لتحقيق نتائج استراتيجية حاسمة، وأن العديد من القوى الإقليمية باتت تميل إلى سياسات أكثر استقلالية تحفظ مصالحها الخاصة بعيداً عن الاصطفافات الحادة.

حدود القوة الأمريكية وصعود التعددية

المواجهة الممتدة مع إيران كشفت بدورها أن التفوق العسكري لا يترجم بالضرورة إلى مكاسب سياسية دائمة. فالولايات المتحدة تجد نفسها أمام واقع دولي وإقليمي أكثر تعقيداً، تتقدم فيه قوى دولية منافسة وتزداد فيه قدرة الفاعلين الإقليميين على المناورة وفرض شروطهم.

ومن هنا، تبدو الاستراتيجية الأمريكية الحالية أقرب إلى إدارة الأزمات واحتوائها منها إلى حسمها. فبدلاً من السعي إلى تغييرات جذرية في موازين القوى، تتجه واشنطن نحو ترتيبات مرنة وتسويات مرحلية تسمح بالحفاظ على النفوذ وتقليل الأكلاف السياسية والعسكرية.

رسم التوازنات لا حسم الصراعات

تكشف التطورات المتزامنة بين جنوب لبنان وغزة والعواصم الإقليمية أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم التوازنات لا حسم الصراعات. فالإنذارات الإسرائيلية، ومعارك المواقع الرمزية، واستمرار الضغوط العسكرية، ليست سوى حلقات في صراع أكبر يتعلق بشكل الشرق الأوسط المقبل.

وفي ظل تراجع فعالية أدوات الهيمنة التقليدية وصعود منطق التوازنات المتعددة، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من المواجهات المحسوبة والتفاهمات المؤقتة، حيث لن يكون السؤال من يملك القوة الأكبر فحسب، بل من ينجح في إدارة النفوذ ضمن نظام إقليمي ودولي يتغير بسرعة غير مسبوقة.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا