الخلود جزاء الأعزاء
ميديا برس ليبانون
د. انطون الحداد
أيام مرت على حدث صغير بلحظويته عظيم في أبعاده وآثاره العسكرية والنفسية على حافتي المواجهة مع العدو المستهدف بهذا الحدث كما على جبهة الم_ق_ا_و_م_ة.
أن يُنقل لك خبرا” أو يعرضه عليك صديق أو محاور، أن إسرائيل قتلت شابا” على الحدود، وأنت لم تكن قد سمعت الخبز لإنشغال أو لأي سبب يحول دونك ومتابعة مجريات الأحداث، يتبادر إلى ذهنك أن شابا” ذو إعاقة أو أحد سكان الحافة ممن رفضوا الخروج من بيوتهم وأرضهم مهما عظمت التهديدات ووحشية المعتدي، أو مسناً” تقطعت به السبل ومنعه عجزه وكرامته وتعلقه بدار ولد فيها، وفيها كل ذكرياته مع أهل لم يبقى له منهم إلاّ حفنة ذكريات أغلى من كنوز الكون وهي كل ما بقي له ورابطه الوحيد مع هذه الحياة التي صدّعت رغبته بها صواريخ الطائرات المعادية تزعزع جدران المنزل التي أبلاه ضعف الحال سبب الإهمال نتيجة “العدوانات” المتكررة وقذائف الدبابات …منعته من مغادرتها.
تهرول الى المنزل لتستمع النبأ فيعتريك الذهول ، مراسل ميداني ينقل الخير بلسان العدو. وشريط الأحداث أسفل الشاشة يوثّق:” حدث أمني خطير على الحدود الشمالية داخل المستوطنة مسكاف عام “شمالي فلسطين” المحتلة جنود جيش الدفاع وأجهزة المخابرات العامة والشين بيت وفرق حرس الحدود تتعامل مع الحدث باحترافية وحذر بمواكبة الطائرات المسيرة، مروحيات الاباتشي، والمقاتلات أف 16, وأف35 تغطي السماء، هديرها المرعب يزيد خوف المستوطنين المذعورين المهرولين بالالاف الى الملاجيء…، ومصادر الجبهة الداخلية تحذرهم من الخروج منها خوفا” على حيواتهم، أبناء الشعب المختار …
دقائق وياتي ملحق والناطق باسم جيش العدو يطبق على أحد أفراد المجموعة المهاجمة ،…ثم يعلن: “أنه يبدو أحد الذئاب المنفردة ضمن مجموعة إرهابية تسللت داخل المستوطنات لتذرع الرعب في نفوس الآمنين… ملحق آخر: “إنتهى الحدث بعدم وجود عناصر “مخربة” إرهابية أخرى. ويضيف مستطردا” : إنتهى الحدث ميدانيا” “, دون أن تنتهي مفاعيله في النفوس وضمن المؤسسة العسكرية وأجهزة الدولة والمخابرات ويسود جو من البليلة والأرتباك أروقة المؤسسات الأمنية وسط تشنج واضح واتهامات متبادلة بين أركان الأجهزة المختلفة. كيف حصل الإختراق، ماهي الثغرات؟ كيف اجتاز كل التحصينات وأجهزة الإنذار؟ هل خرج من نفق حفرته المقاومة؟ … جملة أسئلة لا تنتهي تقض مضاجع الكيان من رئيسه حتى أخرى مستوطن.
تترك جهاز التلفاز معتزا” ، تأخذك الشماتة ب اليهودي بعدما أهتزت أسس كيانه بمجرد تسلل شاب بسلاح فردي..تعود للبحث عن ناقل الحدث عبثا” تخبره أن عملا” بطوليا” له ارتداداته رغم تكتم العدو وعدم ذكر خسائره، وهذا تفاصيل مهم عند أنصار المقاومة وبقية الشعب، فالأرقام هي المحسوس الذي يقيّم به العامة الأحداث كالسلع الإستهلاكية.
تترك للعودة الى هاتفك، ومقابل التلفاز تبحث عن جديد لا يخفي شوقك لسماع خبر عن ضحايا العدو، لربما تتعادل الأرقام ونسمع بخبر جندي أو أكثر مقابل الشهيد وقد تأثرت كسواك بمعايير السوق والبورصات والأرقام.
فجأة تحاول لملمة ذاتك من هذا السوق وتعود لتقييم الحدث لتظهر على شاشة ذهنك الفرح بالحدث الجلل المشوش بالأرقام المفعمة بروح البنك، المطبق على العدو والرغبة بالثأر من ،تعقبها يقظة معتز بم_ق_او_م_ته ورجالها وجمهورها لتقيّم الحدث بصفاء تخيم فوق رأسك روح الشهيد كالتالي:
أولا” : وبعيدا” عن جد ساعات الربح والخسارة العددية ،منطلقا” من مبدأ نفسي راقي جيده يسوع الناصري بقوله:” ليس أروع من أن يصبح الإنسان بذاته لأجل أحبائه ” وجسّده بنفسه. وثانيا”: مبدأ آخر تعلمته من مدرسة أنطون سعاده القومية يقول:” إن الدماء التي تجري في عروقنا ليست ملكا” لنا، بل هي وديعة الأمة فينا متى طلبتها وجدتها”.
فتحت هاتفك لتشاهد أحد أصدقاء الشهيد الشاب يعرّف به بفخر: هو حمزة حمود ابن بلدة مركبا الحدودية التي لم يولد فيها كما يجب ، لأن والده ترك الديار بعد سلسلة إعتداءات يهودية أجبرته على النزوح الى ضاحية بيروت الجنوبية حيث أطل على الدنيا.
هنا يتبادر إلى ذهنك أن حمزة شاب متلاعب به، مأخوذ بالعقيدة الدينية، والانضواء ضمن صفوف ح_ز_ب الله طليعة ال_م_ق_ا_و_م_ة،وهذا بديهي بنظرك ، لكن عندما تعرف أنه ليس حزبيا” ولم ينضوي قبلا” ولم يحمل سلاحا” من قبل. لكن حمزة الذي ترك بلدته الى الضاحية قبل أن يولد ليلاحقه العدو إليها بعد أن مات والده تعتصره الحسرة والحنين لديار لم تعد صالحة للسكن وغير آمنة لوجود عدو لا تؤمن الحياة بجواره تتراقص الدموع في عينيك، فحالة حمزة حال أغلب الجنوبيين .
حمل ابن حمود غضبه مصحوبا” بعنفوان أبناء الجنوب الأبطال نحو أرض أبيه، نحو قرية غربته القسرية التي لم يزرها قبلا”، لظروف فرضها جار السوء .إنطلق البطل “ممتطيا” ” دراجته النارية، حصان أحلامه، في أزمة بئر العيد حيث ولد وترعرع، فيرحلة خطيرة وشاقة نحو بلدة أحلامه التي باتت أطلالا” بعد عز، وصلها بعد مجازفة على طريق لا تفارقها مسيرات العدو تصطاد المارة في أي وقت، قضى ليلته في أفياء أحراش إحدى الوديان حيث برابط أسود ال_م_ق_او_م_ة ليل نهار بانتظار اصطياد العدو وآلياته، دون أن يراهن أو يروه .صباح اليوم أكمل طريقه حيث ولد إخوته ودفنت روح أبوه وأحلامه، طالما حلم بالعيش بها أو زيارتها، عانق ترابها وأشتم رائحة والده به، رمق قريته نظرة لهفة وجوع عاشق، أدار وجهه نحو الجنوب الصامد بألم، ثم نحو جنوب الجنوب، وانطلق حاملا” بندقية لم يحملها من قبل آملا” في زرع الرعب في قلب العدو، الرعب ذاته الذي زرعه قبلا” في قلوب الأطفال وشيوخ تعتصر قلوبهم قلقا” ولهفة لعودة أبنائهم سالمين كل مساء.
وهناك خلف خط وهمية فاصل وأسلاك شائكة وحدود مصطنعة وجها” لوجه أمام تجمعاتهم بدباباتهم ومدافعهم وعتادهم الحربي الفتاك، تماما”، المشهد ذاته الذي كان يسمعه عن وفقك صباح الابطال، ودون وجل او خوف وكأنه أمضى صباه يتدرب لهذه اللحظة، صوّب نحوهم، ضغط على الزناد حتى خواء محزن الرصاص يزرع فيهم الموت والرعب والعويل والبكاء كالأطفال ، فعاجلوه بعد أن صمت أزيز الرصاص في بندقيته فهوى ممددا” على الأرض تلفحه شمس حزيران الحارقة وهو يبتسم .
سجلت بطولة محمد الى جانب هذا العمل الاستشهادي البطولي حقيقتين مهمتين:
1_قهر حمزة حمود جبروت العدو وحكومته المغترة بعتادها وجيشها المسخّر لمنع أي اختراق للسياج الفاصل خارقا” المنطقة العازلة التي طالما تغنى بها قادته ووعدوا بها سكان مستوطناتهم بالمن والأمان . فجاء الاختراق ضربة قاضية ذات فيما دلت على إرادة لا تلين ولا تمنعها حواجز وهمية من مقارعة العدو وإفشال عدوانه.
2_ أفسد حمزة بإقدامه وتضحية مقولة فاسدة حملتها سلطة برئاستيها الرمزية والتنفيذية ومدّعوا السيادة: أن بيئة ال_م_ق_او_م_ة تنقلب ضدها وملّتْ الحرب والقتال ، خصوصا” أن الشهيد لم يحمل السلاح قبلا”، وأقبل دفاعا” عن أمته من عدو أطماعه وشروره لا تنتهِ.
ايها الحمزة، يا شهيدا” رحل بعد أن دخل التاريخ فخلّد في ضمير الأحرار ورافضي حياة الذل .
نفذت عملك بصمت، لكن أصداء رصاصاتك غطى على هدير الطائرات وأصوات القذائف، أرعب الدبابات قوّى قلب الخائف، أثلجت قلوب صابرات، اسكتَ بوقا” زائف. ربما لن تهنأ في نومك كألاف الشهداء ،فأبد الدهر لن يكف اللهاج باسمكم والدعاء.
لأمثالك الخلود والبقاء للأمة.
إعداد وتحرير:ميديا برس ليبانون _قسم التحليل والآراء



اترك تعليقًا