صفعة الحرب… اتفاق جنيف يرسم ملامح شرق أوسط جديد


من مئة يوم من المواجهة إلى هدنة كبرى… هل انتصر منطق السياسة على نار الميدان؟

ميديا برس ليبانون
□سلطنة عُمان_طارق الصابري 
#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 بعد أكثر من مئة يوم من المواجهات العسكرية والتوترات التي هزّت المنطقة وأربكت أسواق الطاقة العالمية، جاء الاتفاق الأميركي – الإيراني ليضع حداً لمرحلة شديدة الحساسية كادت تدفع الشرق الأوسط نحو مواجهة أوسع ذات تداعيات دولية خطيرة.

ففي مشهد غير تقليدي، اختار الطرفان التوقيع إلكترونياً على مذكرة تفاهم سياسية تمهّد لوقف شامل للأعمال العسكرية وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات، في خطوة عكست حجم الضغوط التي فرضتها الحرب على الجميع، من واشنطن وطهران إلى العواصم الإقليمية والأسواق العالمية.

حرب بلا منتصر واضح

عندما اندلعت المواجهة، بدا أن الولايات المتحدة تسعى إلى فرض معادلات جديدة في المنطقة عبر الضغط العسكري والسياسي على إيران. إلا أن مسار الأحداث أظهر أن الحرب تحولت تدريجياً إلى معركة استنزاف مكلفة للطرفين.

إيران نجحت في الحفاظ على تماسك مؤسساتها وقدراتها الأساسية رغم الضربات المتتالية، فيما واجهت واشنطن تحديات متزايدة مرتبطة بكلفة العمليات العسكرية والضغوط الداخلية والانعكاسات الاقتصادية العالمية.

ومع اتساع دائرة المخاوف على أمن الطاقة، تحوّل مضيق هرمز إلى العنصر الأكثر تأثيراً في حسابات القرار الدولي. فكل تهديد للملاحة البحرية كان ينعكس فوراً على الأسواق وأسعار النفط، ما جعل استمرار المواجهة خياراً محفوفاً بالمخاطر للجميع.

اتفاق الضرورة لا اتفاق الثقة

القراءة الأولية لمضمون التفاهم تشير إلى أن الاتفاق لم يولد من مناخات الثقة المتبادلة، بل من قناعة مشتركة بأن استمرار المواجهة سيؤدي إلى خسائر أكبر من أي مكاسب محتملة.

ولهذا السبب جاء الاتفاق بصيغة مرحلية تجمع بين وقف إطلاق النار وتخفيف الضغوط الاقتصادية وفتح قنوات تفاوض جديدة حول الملفات الأكثر تعقيداً.

فواشنطن تريد ضمانات تتعلق بالأمن الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني، فيما تسعى طهران إلى تخفيف العقوبات واستعادة دورها الاقتصادي والإقليمي ضمن معادلات جديدة يجري التفاوض حولها.

لبنان بين الهدنة والتحديات

يحمل الاتفاق أهمية خاصة للبنان الذي كان إحدى الساحات الأكثر تأثراً بتداعيات المواجهة الإقليمية.

فأي تهدئة بين واشنطن وطهران تنعكس تلقائياً على مستوى التوتر في المنطقة، ما يفتح المجال أمام مرحلة من خفض التصعيد قد تمنح لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه بعد أشهر من الضغوط الأمنية والاقتصادية.

إلا أن ذلك لا يعني أن الملفات اللبنانية المعقدة أصبحت خارج دائرة الخطر، إذ تبقى التطورات الداخلية والاستحقاقات السياسية والعسكرية مرتبطة بمسار التفاهمات الإقليمية ومستقبلها.
الخليج وأسواق النفط المستفيد الأول
من أبرز المستفيدين من الاتفاق دول الخليج وأسواق الطاقة العالمية.

فإعادة الاستقرار إلى الملاحة البحرية وتراجع احتمالات المواجهة المباشرة يخففان من الضغوط على حركة التجارة والنقل البحري، ويمنحان الأسواق جرعة من الطمأنينة بعد أشهر من القلق والتقلبات.

لكن هذا الارتياح يبقى مشروطاً بقدرة الأطراف على المحافظة على الالتزامات المتفق عليها ومنع أي انتكاسة تعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد.

ستّون يوماً تحدد مستقبل المنطقة

المرحلة المقبلة ستكون حاسمة. فالمهلة الزمنية المحددة لتنفيذ التفاهمات الأولية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى جدية الأطراف في الانتقال من وقف الحرب إلى بناء تسوية أكثر استقراراً.

وإذا نجحت المفاوضات في معالجة الملفات الخلافية، فقد يشهد الشرق الأوسط بداية مرحلة سياسية جديدة تعيد رسم توازناته. أما إذا تعثرت، فقد تتحول الهدنة الحالية إلى محطة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع.

الخلاصة

لم تُنهِ “صفعة الحرب” أسباب النزاع العميقة، لكنها نجحت في إيقاف الانفجار الكبير الذي كان يهدد المنطقة والعالم. وبين رهانات السياسة وحسابات الميدان، تبقى الأسابيع المقبلة كفيلة بالإجابة عن السؤال الأهم: هل نحن أمام ولادة شرق أوسط جديد، أم أمام هدنة مؤقتة فرضتها الضرورات قبل عودة الصراع بأشكال مختلفة؟.

□سلطنة عمان

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحليل والآراء


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا