لبنان بين نار الميدان وطاولات التفاوض… هل أفشلت كفرتبنيت استراتيجية فرض الشروط بالنار؟

لبنان بين نار الميدان وطاولات التفاوض… هل أفشلت كفرتبنيت استراتيجية فرض الشروط بالنار؟



ميديا برس ليبانون

#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 بينما كانت الأنظار تتجه إلى المسارات الدبلوماسية المفتوحة بين واشنطن وطهران، وإلى الجهود الإقليمية الهادفة لمنع انفجار شامل في المنطقة، شهد جنوب لبنان تطوراً ميدانياً قلب المشهد رأساً على عقب، وأعاد التذكير بأن الميدان لا يزال اللاعب الأكثر تأثيراً في رسم حدود السياسة والتفاوض.

ففي الوقت الذي بدت فيه مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية وكأنها تلتقط أنفاسها الأولى بعد مخاض طويل، جاءت المواجهات العنيفة في محيط كفرتبنيت وعلي الطاهر لتضع الاتفاق الوليد أمام اختبار بالغ الحساسية، وسط تصعيد إسرائيلي غير مسبوق، وردود ميدانية عنيفة من ح_ز_ب الله، وتدخّل إقليمي ودولي عاجل لمنع انهيار مسار التهدئة قبل أن يبدأ فعلياً.

معركة الجنوب… اختبار النار للاتفاق الوليد

وفق المعطيات الميدانية المتقاطعة، حاولت القوات الإسرائيلية خلال الساعات الماضية تنفيذ عمليات توغل محدودة في أكثر من محور جنوبي، في إطار ما يبدو أنه محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل تثبيت أي تفاهمات سياسية أو أمنية مرتقبة.

لكن ما جرى على الأرض لم يأتِ وفق الحسابات الإسرائيلية. فالقوات المتقدمة تعرضت لسلسلة من الكمائن والاستهدافات المتلاحقة، بدأت بعبوات ناسفة معدّة مسبقاً، تلتها صواريخ موجهة وهجمات بطائرات مسيرة انقضاضية، وصولاً إلى اشتباكات مباشرة بالأسلحة الرشاشة من مسافات قريبة.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن المواجهات أوقعت خسائر بشرية ومادية في صفوف القوات المتوغلة، فيما تحولت محاولات الإخلاء والإنقاذ إلى معركة إضافية تحت كثافة النيران، الأمر الذي دفع الجيش الإسرائيلي إلى شن موجات واسعة من الغارات الجوية والقصف المدفعي على المنطقة في محاولة لاستعادة زمام المبادرة وتأمين انسحاب قواته.

لماذا صعّدت إسرائيل قبل المفاوضات؟

سياسياً، لا تبدو التطورات الميدانية منفصلة عن المسار التفاوضي المنتظر. فالمعطيات المتوافرة تشير إلى أن تل أبيب سعت خلال الأيام الأخيرة إلى تعزيز أوراقها التفاوضية عبر توسيع نطاق عملياتها داخل الجنوب اللبناني، تمهيداً لطرح فكرة “المنطقة الأمنية” كورقة ضغط على طاولة المفاوضات المقبلة.

وتقرأ أوساط سياسية متابعة ما جرى باعتباره محاولة إسرائيلية لانتزاع مكاسب ميدانية سريعة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية من المفاوضات، خصوصاً أن البند الأكثر حساسية بعد تثبيت وقف إطلاق النار يتمثل في ملف الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات الأمن الحدودي.

غير أن حجم المواجهات والخسائر التي رافقت التوغلات الأخيرة قد يكون أضعف قدرة إسرائيل على تحويل التقدم العسكري إلى مكسب سياسي قابل للاستثمار خلال المفاوضات.

غرفة عمليات دبلوماسية لمنع الانفجار

بالتوازي مع اشتعال الجبهة الجنوبية، تحركت قنوات الاتصال الإقليمية والدولية بوتيرة متسارعة.

وتكشف معلومات “ميديا برس ليبانون” عن تنسيق مباشر بين المبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان ووزير الدولة القطري محمد بن عبد العزيز الخليفي، في إطار جهود مكثفة لإعادة تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق الوضع إلى مواجهة واسعة.

وامتدت الاتصالات إلى واشنطن وعواصم إقليمية عدة، مروراً بعين التينة حيث جرى التواصل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي تولّى نقل الرسائل إلى حزب الله، في وقت أكدت فيه مصادر مطلعة أن الحزب أبلغ الوسطاء التزامه بوقف إطلاق النار ما دام الطرف الآخر ملتزماً به، مع احتفاظه بحق الرد على أي خرق جديد.

في المقابل، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن قبول تل أبيب بوقف النار مع الإبقاء على ما تصفه بـ”المنطقة الأمنية”، وهو ما يعكس استمرار التباين حول شكل المرحلة المقبلة وحدودها.

واشنطن وطهران… السلام المؤجل أم التسوية الممكنة؟

على الضفة الأخرى من المشهد، جاء تأجيل المحادثات الأميركية – الإيرانية في سويسرا ليعكس حجم التعقيدات التي تواجه مسار التفاهم بين البلدين.

ورغم نجاح الوسطاء في احتواء التصعيد مؤقتاً، فإن المؤشرات الآتية من واشنطن لا تزال متناقضة، خصوصاً بعد تقارير تحدثت عن مخاوف داخل الإدارة الأميركية من أن تؤدي الحسابات الإسرائيلية إلى تقويض فرص التوصل إلى تفاهمات طويلة الأمد مع إيران.

وهذا ما يفسر حجم الضغوط التي مورست خلال الساعات الماضية لإعادة تثبيت التهدئة في لبنان، باعتباره إحدى الساحات الأكثر حساسية وتأثيراً على مستقبل المفاوضات الإقليمية برمتها.

كفرتبنيت… الضربة الأقسى منذ أسابيع

ميدانياً، اعترف الجيش الإسرائيلي بمقتل أربعة عسكريين، بينهم قائد الكتيبة 52 في اللواء المدرع 401 المقدم دور جداليا بن سمحون، خلال العمليات في جنوب لبنان.

كما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن إصابة ما لا يقل عن 17 جندياً، بينهم عناصر من قوات النخبة وضباط ميدانيون، فيما لا تزال التحقيقات الإسرائيلية تبحث في طبيعة السلاح الذي أصاب الدبابة المستهدفة قرب كفرتبنيت، بين فرضية الطائرة المسيّرة الانقضاضية أو الصاروخ الموجه.

وتعتبر الأوساط العسكرية الإسرائيلية أن ما جرى يمثل إحدى أكثر الضربات إيلاماً للقوات العاملة على الجبهة الشمالية خلال الأسابيع الأخيرة.

ماذا بعد؟

يدخل لبنان اليوم مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المفاوضات السياسية والإقليمية. فوقف إطلاق النار الذي أُعيد تثبيته لا يزال هشاً، فيما تستعد واشنطن لاستضافة جولات تفاوضية جديدة خلال الأيام المقبلة، وسط محاولات متبادلة لتحسين الشروط قبل الجلوس إلى الطاولة.

وبينما يسعى الوسطاء إلى تحويل التهدئة الحالية إلى مسار سياسي مستدام، يبقى السؤال الأساسي مطروحاً: هل نجحت معركة كفرتبنيت في إسقاط مشروع فرض الوقائع بالنار، أم أن الجنوب اللبناني لا يزال مقبلاً على جولات جديدة من عضّ الأصابع قبل ولادة أي تسوية إقليمية شاملة؟.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم الإقليمي والدولي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا