هل تتراجع الأسعار في لبنان بعد هبوط النفط؟


الاقتصاد اللبناني يحتفظ بذاكرة الارتفاع… وينسى الانخفاض


ميديا برس ليبانون

#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 مع تراجع أسعار النفط العالمية وانخفاض خام برنت إلى حدود 79 دولاراً للبرميل، عاد السؤال الذي يطرحه اللبنانيون في كل مرة تهبط فيها أسعار الطاقة: هل ستنعكس هذه التراجعات على أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية؟ أم أن الارتفاعات التي فرضتها الأزمات والتحولات الجيوسياسية ستبقى ثابتة مهما تبدلت الظروف؟

فمنذ اندلاع الحرب الأخيرة وما رافقها من اضطرابات إقليمية، ارتفعت الأسعار في لبنان بنحو 8 في المئة، مدفوعة بزيادة كلفة المحروقات والنقل والتشغيل والإنتاج. إلا أن التجارب السابقة تشير إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في أسباب ارتفاع الأسعار، بل في صعوبة تراجعها لاحقاً، حتى عندما تنخفض الكلفة الفعلية.

النفط يتراجع… والأسواق تراقب

شهدت الأسواق العالمية خلال الساعات الماضية تراجعاً ملحوظاً في أسعار النفط مع انحسار المخاوف المرتبطة بالإمدادات العالمية، حيث انخفض سعر خام برنت بنسبة 1.9 في المئة إلى 79.04 دولاراً للبرميل، فيما بلغ سعر خام غرب تكساس الأميركي 76.53 دولاراً.

وفي الاقتصادات الطبيعية، يؤدي انخفاض أسعار النفط عادة إلى تراجع تدريجي في معدلات التضخم بعد فترة زمنية معينة، إذ تنخفض كلفة النقل والطاقة والإنتاج، ما ينعكس تلقائياً على أسعار السلع والخدمات. وتشير دراسات دولية إلى أن ارتفاع النفط بنسبة 10 في المئة يرفع التضخم بنحو 0.4 في المئة، قبل أن يبدأ هذا الأثر بالتلاشي تدريجياً.
لكن المشهد اللبناني يبدو مختلفاً تماماً.

لماذا لا تنخفض الأسعار في لبنان؟

تكمن المشكلة الأساسية في طبيعة الاقتصاد اللبناني نفسه. فالسوق المحلية لا تعمل وفق قواعد المنافسة الحرة الكفيلة بإجبار التجار والمزودين على خفض الأسعار عندما تنخفض الكلفة، بل ضمن منظومة يغلب عليها الاحتكار والوكالات الحصرية وضعف الرقابة الرسمية.

وبحسب خبراء اقتصاديين، فإن أي صدمة خارجية تؤدي إلى ارتفاع الأسعار تتحول سريعاً إلى “سعر مرجعي جديد” يصعب التراجع عنه لاحقاً. فالتاجر أو المزود يرفع الأسعار فور ارتفاع الكلفة، لكنه يجد لاحقاً مبررات متعددة للإبقاء عليها مرتفعة حتى بعد زوال الأسباب الأصلية.

المولدات الخاصة… نموذج صارخ

يُعد قطاع المولدات الكهربائية أحد أبرز الأمثلة على هذه الظاهرة.
فعندما يرتفع سعر المازوت ترتفع فاتورة الاشتراك مباشرة بحجة زيادة كلفة التشغيل، وهو أمر منطقي من الناحية الاقتصادية. لكن عند انخفاض أسعار المازوت، لا تنخفض الفواتير بالوتيرة نفسها، إذ تظهر تبريرات جديدة تتعلق بالصيانة وقطع الغيار أو التحوط من ارتفاعات مستقبلية.

وفي ظل غياب بدائل حقيقية للكهرباء الرسمية، يجد المشترك نفسه أسير واقع احتكاري لا يملك فيه القدرة على اختيار مزود آخر أو الاستغناء عن الخدمة.

النقل… ارتفاع سريع وانخفاض بطيء

المشهد ذاته يتكرر في قطاع النقل. فارتفاع أسعار المحروقات ينعكس مباشرة على أجور النقل العام والخاص، لكن تراجع أسعار الوقود لا يؤدي بالضرورة إلى خفض التعرفات. ويرجع ذلك إلى غياب منظومة نقل عام منظمة، وضعف الرقابة على الالتزام بالتسعيرات الرسمية، ما يجعل السوق أكثر استجابة للارتفاعات وأقل استجابة للتراجعات.

لماذا تختلف المحروقات عن بقية القطاعات؟

المفارقة أن أسعار البنزين والمازوت نفسها تُظهر مرونة أكبر مقارنة بقطاعات أخرى، وذلك بسبب وجود آلية رسمية ملزمة للتسعير تصدرها الدولة بشكل دوري.

ورغم أن سوق استيراد المحروقات تهيمن عليها شركات محدودة، إلا أن وجود تسعيرة رسمية واضحة يجعل السعر النهائي أكثر ارتباطاً بحركة الكلفة العالمية، خلافاً للعديد من القطاعات الأخرى التي تُترك عملياً لقواعد الأمر الواقع.

أثر غير مباشر يطال كل شيء

لا يقتصر تأثير النفط على المحروقات فقط، بل يمتد إلى مختلف مفاصل الاقتصاد.
فالطاقة تدخل في كلفة النقل والتخزين والتبريد والتشغيل الزراعي والصناعي والتجاري، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط ينتقل تدريجياً إلى معظم السلع والخدمات. وفي لبنان، حيث تعتمد غالبية القطاعات على الطاقة الخاصة والمولدات والنقل الفردي، يصبح هذا التأثير أكثر عمقاً واتساعاً.

اقتصاد يحتفظ بذاكرة الارتفاع

تكشف التجربة اللبنانية أن الأسواق تمتلك ما يمكن تسميته بـ”الذاكرة السعرية الانتقائية”. فعندما ترتفع الكلفة تُرفع الأسعار بسرعة، أما عندما تنخفض فتُستحضر مبررات جديدة للحفاظ على المستويات المرتفعة نفسها.

وهكذا تتحول الزيادة المؤقتة إلى واقع دائم، ويصبح السعر الجديد نقطة انطلاق لأي تسعير مستقبلي، لا مجرد انعكاس لظرف اقتصادي عابر.

المشكلة ليست في النفط وحده

لا يرتبط مصير الأسعار في لبنان بحركة النفط العالمية فقط، بل ببنية الاقتصاد المحلي نفسها. فحتى لو استمرت أسعار النفط في التراجع خلال الأشهر المقبلة، فإن ذلك لا يضمن تلقائياً انخفاض الأسعار في الأسواق اللبنانية.

المعضلة الحقيقية تكمن في غياب المنافسة الفعلية، واستمرار الاحتكارات والوكالات الحصرية، وضعف الرقابة الرسمية، وافتقار المستهلك إلى البدائل. لذلك، يبقى السؤال الأهم ليس متى ينخفض النفط، بل كيف يمكن منع تحويل كل صدمة مؤقتة إلى زيادة دائمة يدفع ثمنها المواطن اللبناني.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الاقتصادي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا