من الضاحية إلى جونية… كيف ضاع أخطر خيط في ملف اختراق الموساد للبنان؟
هروب خالد العايدي يفتح أسئلة سيادية حول الأمن والقضاء والدبلوماسية اللبنانية
ميديا برس ليبانون
#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 في عالم الاستخبارات، لا تُقاس خطورة العمليات بحجم التعقيد الذي تنطوي عليه فحسب، بل بالثغرات التي تسمح لها بالنجاح. فحين يتمكن جهاز استخبارات معادٍ من انتشال أحد أهم عناصره من قلب دولة تخوض مواجهة أمنية مفتوحة معه، تتحول القضية من مجرد “عملية تهريب ناجحة” إلى ملف سيادي يطرح أسئلة حول أداء المؤسسات الأمنية والقضائية والسياسية مجتمعة.
هذا تماماً ما ينطبق على قضية خالد العايدي، المتهم بالارتباط بالموساد الإسرائيلي، والذي تحوّل اسمه خلال الأشهر الماضية إلى أحد أبرز عناوين الاختراق الأمني الذي شهدته الساحة اللبنانية خلال الحرب. فالرجل الذي كان يمتلك، وفق التحقيقات، مفاتيح شبكة أمنية معقدة ومعلومات حساسة عن بنية عمليات التجسس الإسرائيلية داخل لبنان، انتهى به المطاف خارج البلاد، في عملية تثير حتى اليوم علامات استفهام تتجاوز شخصه لتطال الدولة نفسها.
العايدي… أكثر من مجرد مشتبه به
لم يكن خالد العايدي اسماً عادياً في ملفات الأجهزة الأمنية. فبحسب المعطيات المتقاطعة التي أفرزتها التحقيقات، فإن الرجل الفلسطيني السوري الأصل، الحائز الجنسية الأوكرانية، كان يشغل موقعاً محورياً ضمن شبكة مرتبطة بالموساد الإسرائيلي، تولت جمع معلومات دقيقة عن مواقع ومنشآت تابعة ل_ح_ز_ب الله داخل الضاحية الجنوبية لبيروت.
وتشير الوقائع الأمنية إلى أن المعلومات التي جرى جمعها لم تبق ضمن إطار الرصد النظري، بل ارتبطت بملفات استهداف حساسة خلال الحرب، ما رفع من أهمية العايدي باعتباره خزّان معلومات قادراً على كشف آليات عمل الشبكة وأفرادها وارتباطاتها الخارجية.
وتكشف التحقيقات أن اللبناني الموقوف محمد صالح كان من أبرز العاملين تحت إشرافه، حيث أوكلت إليه مهمات الرصد الميداني وتحديد الأهداف. كما أظهرت المعطيات أن أفراد الشبكة كانوا يتنقلون بين لبنان وبلغاريا للحصول على مكافآت مالية ولقاءات تنسيقية قبل العودة لمتابعة نشاطهم داخل الأراضي اللبنانية.
من التجسس إلى مشاريع التفجير والفوضى
ما زاد من خطورة الملف أن التحقيقات لم تتوقف عند حدود جمع المعلومات الاستخبارية.
فالمداهمات التي أعقبت تفكيك الشبكة قادت إلى العثور على مواد تدخل في تصنيع العبوات الناسفة، وبطاريات معدّة للتفجير، ودراجات نارية مجهزة لاستخدامات أمنية خطيرة داخل مستودع في منطقة النقاش.
وتتحدث محاضر التحقيق عن مخططات أكثر تعقيداً، بينها التحضير لسلسلة عمليات أمنية خلال إحياء الذكرى الأولى لاغتيال الأمين العام السابق ل_ح_ز_ب الله السيد حسن ن_ص_رالله، مع العمل على نسب تلك العمليات إلى جماعات سورية متطرفة بهدف تأجيج الاحتقان المذهبي وإحداث اضطرابات داخلية واسعة.
كما كشفت التحقيقات عن تجهيز سيارة رباعية الدفع من نوع “رانغلر” برشاش يتم التحكم به عن بعد، إضافة إلى معطيات تتعلق بمخطط لاستهداف وزير الخارجية الإيراني خلال زيارة كانت مرتقبة إلى بيروت للمشاركة في المناسبة نفسها.
كل ذلك جعل من العايدي أحد أهم المطلوبين أمنياً، ليس لأنه عنصر داخل شبكة تجسس فحسب، بل لأنه يملك صورة شبه متكاملة عن واحدة من أخطر شبكات الاختراق التي كُشفت خلال الحرب.
السفارة الأوكرانية… محطة مفصلية في القضية
بعد الغارة الإسرائيلية التي استهدفت المبنى الذي كان محتجزاً فيه لدى ح_ز_ب الله في الضاحية الجنوبية، تمكن العايدي من مغادرة المنطقة والوصول إلى السفارة الأوكرانية في بعبدا.
المعطيات المتوافرة تشير إلى أن وجوده داخل السفارة لم يكن سراً بالنسبة للأجهزة الأمنية اللبنانية، التي كانت تتابع الملف وتدرك حساسيته. ومع صدور مذكرة بحث وتحرٍّ بحقه عن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، انتقل الملف من دائرة الاشتباه الأمني إلى دائرة الملاحقة القضائية الرسمية.
ومنذ تلك اللحظة، أصبح العايدي مطلوباً للدولة اللبنانية، لا لأي جهة أخرى، ما وضع المؤسسات الرسمية أمام استحقاق سيادي وأمني وقانوني بالغ الحساسية.
أين كانت الدبلوماسية اللبنانية؟
هنا تبدأ الحلقة الأكثر إثارة للجدل. ففي القضايا التي تمس الأمن القومي، تلعب وزارة الخارجية دوراً أساسياً في ملاحقة المطلوبين الموجودين داخل بعثات أو مقار دبلوماسية أجنبية عبر القنوات القانونية والسياسية المتاحة.
غير أن المعطيات المتداولة لا تظهر وجود تحرك دبلوماسي استثنائي يوازي حجم القضية. فالرجل لم يكن متهماً عادياً، بل شخصية محورية في ملف يرتبط مباشرة بالموساد الإسرائيلي وبشبكات تجسس وعمليات أمنية معقدة.
وتشير الأوساط المتابعة إلى أن التبرير الذي جرى تداوله ومفاده أن العايدي لم يكن موقوفاً لدى الدولة اللبنانية بل لدى ح_ز_ب الله، لم يبدد علامات الاستفهام، لأن صدور مذكرة قضائية بحقه أسقط عملياً الجدل حول الجهة التي كانت تحتجزه سابقاً، وحوّل القضية إلى ملف قضائي رسمي يستوجب أقصى درجات المتابعة الدبلوماسية والقانونية.
من بعبدا إلى جونية… كيف اكتملت عملية الإخراج؟
وفق المعطيات الأمنية التي جرى تداولها خلال التحقيقات، فإن العايدي غادر مقر السفارة الأوكرانية في أواخر شهر نيسان، وانتقل بسيارة إلى منطقة جونية، قبل أن تُستكمل عملية إخراجه من لبنان.
وإذا ما ثبتت هذه الوقائع بشكل نهائي، فإن المشهد يصبح أكثر تعقيداً من مجرد عملية استخباراتية ناجحة. إذ إن نجاح أي جهاز أمني معادٍ في تنفيذ عملية بهذا الحجم يفترض وجود مساحات زمنية وإدارية وأمنية سمحت بتحرك الهدف وخروجه من دائرة المراقبة أو الملاحقة الفعلية.
وفي هذه النقطة تحديداً، يتقاطع العامل الاستخباراتي الإسرائيلي مع الأسئلة اللبنانية الداخلية المتعلقة بسرعة القرار السياسي، وفعالية التنسيق بين المؤسسات، وقدرة الدولة على التعامل مع الملفات الأمنية ذات البعد السيادي.
بين نجاح الموساد وإخفاق الدولة
تاريخياً، تسعى أجهزة الاستخبارات إلى حماية مصادرها وعملائها مهما بلغت الكلفة. ومن هذه الزاوية، يبدو ما نُسب إلى الموساد من جهود لإخراج العايدي من لبنان أمراً منسجماً مع منطق العمل الاستخباراتي.
لكن الوجه الآخر للقضية يتعلق بما إذا كانت الدولة اللبنانية قد استخدمت كل الأدوات المتاحة لمنع ذلك.
فالخسارة هنا لا تتعلق بشخص واحد فقط، بل بكمية المعلومات التي كان يمكن أن يوفرها حول شبكات التجسس والتمويل والتجنيد والتحرك والارتباطات الخارجية. وهي معلومات كان يمكن أن تقود إلى تفكيك خلايا إضافية وكشف امتدادات أوسع للاختراق الإسرائيلي داخل لبنان.
أسئلة معلّقة بانتظار الإجابات
لم يعد السؤال الأساسي اليوم: كيف نجح الموساد في استعادة أحد أهم عناصره؟.
السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كيف فشلت الدولة اللبنانية في الاحتفاظ به؟.
بين السفارة الأوكرانية ومذكرة البحث والتحري، وبين جونية ومحطة الخروج الأخيرة، تتزاحم الأسئلة حول مسؤوليات المؤسسات المعنية، وحول مستوى التنسيق السياسي والأمني والدبلوماسي الذي أحاط بالقضية. فملف خالد العايدي لا يختصر قصة هروب شخص مطلوب فحسب، بل يعكس اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية أمنها القومي في مواجهة واحدة من أكثر معارك الاختراق الاستخباراتي تعقيداً في تاريخ لبنان الحديث.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات



اترك تعليقًا