من الإعانات إلى الإنتاج… لبنان يطلق استراتيجية الإدماج الاقتصادي في رهان على فرص العمل بدل المساعدات


ميديا برس ليبانون
#ميديا_برس_ليبانون 🇱🇧 في خطوة تعكس تحولًا في مقاربة الدولة للسياسات الاجتماعية، أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية الاستراتيجية الوطنية للإدماج الاقتصادي، مدعومة من الاتحاد الأوروبي ومنظمة العمل الدولية، واضعة هدفًا طموحًا يتمثل في نقل آلاف الأسر من دائرة الاعتماد على المساعدات إلى دائرة الإنتاج والعمل. وبين الطموحات الكبيرة والتحديات الاقتصادية التي يعيشها لبنان، يبقى السؤال: هل تتحول الاستراتيجية إلى نقطة تحول حقيقية أم تنضم إلى قائمة الخطط التي اصطدمت بعقبات التنفيذ؟.

رؤية جديدة للحماية الاجتماعية

أُطلقت الاستراتيجية خلال فعالية وطنية استضافها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بمشاركة وزراء الشؤون الاجتماعية والعمل والاقتصاد، إلى جانب نواب وممثلين عن الاتحاد الأوروبي ومنظمة العمل الدولية والقطاعين العام والخاص والمؤسسات الدولية.

وترتكز الاستراتيجية على مفهوم جديد للحماية الاجتماعية، يقوم على ربط المساعدات الاجتماعية بتنمية المهارات، وخدمات التوظيف، وريادة الأعمال، وفرص العمل، بما يتيح للفئات الأكثر هشاشة الانتقال تدريجيًا من تلقي الدعم إلى الاعتماد على الذات.

حنين السيد: الناس لا يريدون المساعدات… بل الفرص

وأكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد أن التجربة الميدانية أظهرت أن المواطنين لا يطالبون بالبقاء ضمن برامج الدعم، بل يبحثون عن فرصة عمل ودخل مستدام يحفظ كرامتهم.

وأوضحت أن الاستراتيجية، الممتدة بين عامي 2026 و2030، تجعل الإدماج الاقتصادي أحد الركائز الأساسية للحماية الاجتماعية، معتبرة أن التعافي الحقيقي بعد الأزمات والحرب يبدأ بإعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء الحجر.

وأضافت أن الوزارة تعتمد نموذجًا جديدًا يقوم على:
■ ربط التدريب بحاجات سوق العمل.
■ دعم التشغيل والعمل الحر وريادة الأعمال.
■ توفير خدمات مساندة مثل النقل ورعاية الأطفال والإرشاد المهني.
■ إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة بصورة كاملة في سوق العمل.
■ قياس النجاح بعدد الوظائف التي يتم خلقها، وليس بعدد الدورات التدريبية.

كما شهدت المناسبة توقيع ميثاق الشراكة للإدماج الاقتصادي بين الوزارة وشركاء من القطاعين العام والخاص والمؤسسات التنموية، بهدف تحويل الاستراتيجية إلى خطة تنفيذية مشتركة.

وزارة العمل: الإدماج الاقتصادي مسؤولية وطنية

من جهته، شدد وزير العمل الدكتور محمد حيدر على أن الإدماج الاقتصادي لا يقتصر على كونه برنامجًا اجتماعيًا، بل يمثل خيارًا وطنيًا لإعادة بناء سوق عمل أكثر عدالة وكفاءة.

وأكد أن نجاح الاستراتيجية يتطلب تعاونًا وثيقًا بين الوزارات والقطاع الخاص والنقابات والشركاء الدوليين، مشيرًا إلى أن الوزارة تعمل على تحديث سياسات التشغيل، وتعزيز التوجيه المهني، وربط المهارات باحتياجات السوق، وتشجيع الانتقال إلى الاقتصاد النظامي بما يوفر الحماية الاجتماعية للعاملين.

وزارة الاقتصاد: التنفيذ هو الاختبار الحقيقي

أما وزير الاقتصاد والتجارة الدكتور عامر البساط، فاعتبر أن نجاح الاستراتيجية لن يقاس بجودة الوثيقة، بل بقدرة الدولة على تنفيذها وتحقيق نتائج ملموسة.

وأوضح أن الوزارة ستركز على ثلاثة محاور رئيسية:
■ تطوير أدوات تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
■ تشجيع انتقال المشاريع إلى الاقتصاد الرسمي.
■ تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص باعتباره المحرك الأساسي لخلق فرص العمل.
وأشار إلى أن كل أسرة تنتقل من الاعتماد على الدعم إلى الإنتاج تمثل مكسبًا اقتصاديًا واجتماعيًا للدولة.

عربيد: من الرعاية إلى التنمية

ورأى رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي شارل عربيد أن الاستراتيجية تمثل انتقالًا من مفهوم الرعاية التقليدية إلى التنمية المستدامة، معتبرًا أنها ترسم خارطة طريق تستثمر في الإنسان بدل الاكتفاء بتقديم المساعدات، وتعزز التكامل بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

دعم أوروبي وأممي

وأكدت منظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي التزامهما بمواصلة دعم تنفيذ الاستراتيجية، مشيرين إلى أن لبنان يواجه تحديات كبيرة في سوق العمل، خصوصًا بعد الحرب والأزمات الاقتصادية، وأن الإدماج الاقتصادي يشكل أحد أهم أدوات التعافي المستدام.

كما أعلنت سفيرة الاتحاد الأوروبي أن الاتحاد استثمر أكثر من 20 مليون يورو بين عامي 2023 و2026 لدعم برامج الإدماج الاقتصادي، والتدريب المهني، وريادة الأعمال، وتمويل المؤسسات الصغيرة.

من إدارة الفقر إلى الاستثمار في الإنسان


تعكس الاستراتيجية تحولًا في فلسفة الدولة من إدارة الفقر إلى الاستثمار في الإنسان، إلا أن نجاحها يبقى مرتبطًا بقدرة الاقتصاد اللبناني على خلق فرص عمل فعلية، وبإطلاق الإصلاحات الاقتصادية والإدارية التي تعيد الثقة للمستثمرين والقطاع الخاص.

كما أن تحويل الإدماج الاقتصادي إلى سياسة وطنية يتطلب تنسيقًا دائمًا بين الوزارات، وتوفير التمويل المستدام، وربط برامج التدريب باحتياجات السوق، وهي تحديات ستحدد مدى نجاح الخطة خلال السنوات المقبلة.


إطلاق استراتيجية الإدماج الاقتصادي يشكل رسالة بأن الدولة تسعى للانتقال من منطق الإغاثة إلى منطق التمكين، ومن تقديم المساعدات إلى بناء الفرص. غير أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء مراسم الإطلاق، عندما تتحول الوعود إلى وظائف، والتدريب إلى إنتاج، والاستراتيجيات إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم الاقتصادي والاجتماعي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا