بين الدولة والإنماء والسيادة… هل يرسم حسن مراد خريطة تموضع سياسي جديدة من بوابة البقاع؟
ميديا برس ليبانون
■ أحمد موسى
#ميديا_برس_ليبانون لبنان |لم يكن حفل التخرج السنوي لطلاب مؤسسات “الغد الأفضل” والجامعة اللبنانية الدولية في البقاع الغربي مجرد مناسبة تربوية للاحتفاء بالنجاح، بل تحول إلى منصة سياسية حملت رسائل متعددة الاتجاهات. فمن التعليم إلى الدولة، ومن الإنماء إلى السيادة، وصولًا إلى قضايا الزراعة والإدارة المحلية، قدم النائب حسن مراد خطابًا بدا أقرب إلى إعلان رؤية سياسية للمرحلة المقبلة، في ظل التحولات التي يعيشها لبنان داخليًا، والتحديات الإقليمية التي تعيد رسم موازين القوى وأولويات الدولة.
فهل كان الخطاب مجرد عرض لمطالب إنمائية تخص البقاع، أم أنه حمل مؤشرات إلى تموضع سياسي يسعى إلى الجمع بين الدفاع عن الدولة، والتمسك بالثوابت الوطنية، والمطالبة بإصلاح الإدارة العامة بعيدًا عن الاصطفافات التقليدية؟.
من منصة التعليم إلى خطاب الدولة
استهل مراد كلمته بالتأكيد أن حفل التخرج يمثل “عرسًا للبقاع ولبنان ورسالة أمل للمستقبل”، معتبرًا أن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الحقيقي في بناء الوطن. غير أن الخطاب سرعان ما تجاوز الإطار التربوي ليتناول ملفات الدولة والإدارة والإنماء والسيادة، في مشهد يعكس تداخل البعد التنموي مع الرؤية السياسية.
وفي هذا السياق، أعاد التأكيد على أن البقاع يبقى خزانًا للكفاءات، وأن مستقبل لبنان لا يمكن أن يُبنى إلا على العلم والتنمية، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
“الدولة تُدار بالمؤسسات”… عنوان سياسي قبل أن يكون إداريًا
الرسالة الأكثر وضوحًا جاءت في عبارته: “الدولة تُدار بالمؤسسات لا بالمكاتب السياسية.” هذه العبارة لم تقتصر على انتقاد آلية عمل بعض الإدارات، بل حملت دعوة صريحة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة المؤسسية، حيث تكون العلاقة بين الوزارات والبلديات مباشرة، بعيدًا عن الوساطات والمرجعيات السياسية.
ويقرأ متابعون هذا الطرح في سياق النقاش اللبناني المتجدد حول الإصلاح الإداري، واللامركزية، وتعزيز دور المؤسسات الرسمية في مواجهة منطق المحاصصة الذي طبع الحياة السياسية خلال العقود الماضية.
السيادة… بين رفض العدوان وتحميل الدولة مسؤولياتها
على المستوى الوطني، أكد مراد رفضه لأي اعتداء على لبنان أو مساس بسيادته، مشيدًا بتضامن أبناء البقاع خلال الأزمات واستقبالهم للنازحين.
لكن اللافت أن خطابه لم يكتفِ بإدانة الاعتداءات، بل حمّل الدولة مسؤولية حماية المواطنين، وتعويض المتضررين، وإعادة الإعمار، معتبرًا أن هذه المهام لا يجوز أن تبقى رهينة المبادرات الفردية أو المؤسسات الأهلية، بل يجب أن تكون جزءًا من الدور الطبيعي للدولة.
البقاع… من الوعود إلى المطالبة بالتنفيذ
إنمائيًا، حمل خطاب مراد انتقادًا واضحًا لاستمرار تأجيل المشاريع الحيوية في البقاع، مؤكدًا أن المنطقة لم تعد تحتمل المزيد من الوعود.
وفي مقدمة هذه المشاريع، جدد المطالبة بالإسراع في تنفيذ مشروع نفق ضهر البيدر، الذي اعتبره مشروعًا وطنيًا يتجاوز البعد المناطقي، لما يشكله من أهمية اقتصادية وإنمائية وربط بين البقاع والعاصمة.
كما توقف عند ملف إنارة طريق ضهر البيدر، معتبرًا أن العقبة الأساسية ليست الإمكانات، بل الإرادة السياسية، وأن حماية حياة المواطنين يجب أن تكون في صلب أولويات الدولة.
الزراعة… من قطاع اقتصادي إلى ملف سيادي
ولم تغب الزراعة عن خطاب مراد، إذ اعتبر أن المزارع البقاعي يواجه أزمات متراكمة في ظل ارتفاع كلفة الإنتاج، وصعوبة التسويق، وغياب الدعم الرسمي.
ودعا إلى اعتماد سياسة زراعية شاملة تقوم على دعم التعاونيات، وفتح الأسواق الخارجية، وتأمين مياه الري والطاقة، وإقرار تعويضات عادلة للمزارعين، معتبرًا أن الأمن الغذائي بات جزءًا من الأمن الوطني، وأن حماية القطاع الزراعي لم تعد خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية.
“الغد الأفضل”… دعم اجتماعي لا بديل عن الدولة
وفي رسالته الاجتماعية، شدد مراد على أن مؤسسات “الغد الأفضل” ستواصل تقديم خدماتها في مجالات التعليم والصحة والزراعة والطاقة والرعاية الاجتماعية، مؤكدًا أن دورها لا يهدف إلى الحلول محل الدولة، وإنما إلى مؤازرة المواطنين إلى حين قيام الدولة بمسؤولياتها كاملة.
ويعكس هذا الموقف محاولة لتأكيد الفصل بين العمل الاجتماعي والعمل السياسي، مع الإصرار على أن المؤسسات الأهلية تبقى عنصر دعم، لا بديلًا عن الإدارة العامة.
قراءة سياسية… إلى أين تتجه الرسائل؟
في مجمل خطابه، حاول حسن مراد الجمع بين أكثر من عنوان: التمسك بالدولة ومؤسساتها، الدفاع عن السيادة، المطالبة بإنماء متوازن للبقاع، والدفع نحو إصلاح العلاقة بين السلطة المركزية والبلديات.
ومن هنا، يمكن قراءة الكلمة باعتبارها محاولة لترسيخ خطاب سياسي يجمع بين المطالب الإنمائية والرؤية الإصلاحية، مع التأكيد على دور الدولة كمرجعية أساسية في إدارة الشأن العام، في مرحلة تتسم بإعادة تموضع القوى السياسية وإعادة ترتيب أولوياتها.
وثيقة سياسية حملت عناوين المرحلة المقبلة
بعيدًا عن الطابع الاحتفالي للمناسبة، بدا خطاب حسن مراد أشبه بوثيقة سياسية تحمل عناوين المرحلة المقبلة أكثر مما كان كلمة موجهة إلى الخريجين. فقد جمع بين هموم البقاع، ومتطلبات الإصلاح الإداري، وأولوية الإنماء، ومسؤولية الدولة في حماية المواطنين ورعاية القطاعات الإنتاجية. وفي ظل المشهد اللبناني المتغير، تبقى هذه الرسائل قابلة لقراءات متعددة، لكنها تعكس بوضوح سعيًا إلى تكريس خطاب يربط بين بناء الدولة، وتعزيز المؤسسات، وتحقيق العدالة الإنمائية كمدخل لأي استقرار سياسي مستدام.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون | القسم السياسي












اترك تعليقًا