ميديا برس ليبانون
#ميديا_برس_ليبانون |في توقيت بالغ الحساسية، عاد مشروع خط أنابيب كركوك – طرابلس إلى واجهة النقاش الإقليمي، متزامناً مع زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى بغداد، حيث تصدّر الملف جدول المحادثات مع المسؤولين العراقيين.
لكن هل يتعلق الأمر بمجرد إعادة تشغيل خط نفطي متوقف منذ عقود؟ أم أن المنطقة تشهد إعادة رسم لخريطة تصدير الطاقة في شرق المتوسط بعد التحولات الأمنية التي طالت الخليج العربي؟
الوثائق والدراسات الحديثة تشير إلى أن لبنان قد يكون أمام فرصة اقتصادية استثنائية، فيما تكشف الوقائع السياسية أن الطريق إلى تنفيذ المشروع لا يزال مليئاً بالألغام الإقليمية والدولية.
أزمة هرمز… الشرارة التي أعادت المشروع إلى الحياة
لم يكن إحياء مشروع كركوك – طرابلس وليد الصدفة، بل جاء نتيجة المتغيرات التي فرضتها الأزمات الأمنية في الخليج، ولا سيما المخاوف المتكررة بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز.
فالعراق، الذي يعتمد بصورة أساسية على موانئ البصرة لتصدير نفطه، بات يبحث عن منافذ بديلة تقلل من المخاطر الجيوسياسية وتمنحه هامشاً أوسع في إدارة صادراته النفطية.
وهنا عاد خط كركوك – طرابلس، الذي كان يوماً أحد أهم خطوط نقل النفط في المنطقة، ليطرح نفسه مجدداً كخيار استراتيجي.
دراسة تكشف… لماذا طرابلس وليس بانياس؟
مذكرة السياسات التي أعدتها رئيسة معهد باسل فليحان لميا المبيض بساط بالتعاون مع خبيرة الطاقة ديانا القيسي لا تنظر إلى المشروع من زاوية تاريخية فقط، بل من منظور اقتصادي واستثماري.
وتخلص الدراسة إلى نتيجة واضحة:
■ طرابلس هي الخيار الأسرع والأقل كلفة والأكثر جاهزية لتكون المنفذ العراقي على البحر المتوسط.
السبب لا يرتبط فقط بالموقع الجغرافي، بل بمجموعة عناصر تقنية ولوجستية أبرزها:
– منشآت نفطية قائمة يمكن إعادة تأهيلها بسرعة.
– خزانات تخزين جاهزة للتطوير.
– مرفأ قادر على استقبال ناقلات نفط كبيرة.
– تكامل مباشر مع المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس.
– حماية طبيعية للميناء تقلل المخاطر التشغيلية.
وفي المقابل، ترى الدراسة أن بانياس تمتلك وظيفة مختلفة، تتمثل أساساً في التكرير والتخزين لتلبية احتياجات السوق السورية، وليس كمحطة رئيسية لتصدير النفط العراقي.
275 مليون دولار… لكن هل تكفي الأرقام وحدها؟
بحسب الدراسة، فإن تشغيل الخط بطاقة تتراوح بين 300 ألف و500 ألف برميل يومياً قد يحقق للبنان نحو 275 مليون دولار سنوياً من رسوم العبور والتخزين والمناولة والشحن.
لكن هذه الإيرادات ليست سوى جزء من الصورة.
فالخبراء يتحدثون عن سلسلة مكاسب موازية، أبرزها:
– إعادة إحياء منشآت النفط في طرابلس.
– تنشيط حركة مرفأ طرابلس.
– استقطاب شركات الخدمات النفطية.
– خلق مئات فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
– تحويل شمال لبنان إلى منصة لوجستية إقليمية.
– رفع القيمة الاستثمارية للمنطقة الاقتصادية الخاصة.
أي أن المشروع قد يتحول إلى أحد أكبر المشاريع الاقتصادية في لبنان منذ عقود إذا أُحسن استثماره.
العقدة السورية… الحلقة المفقودة
رغم الجاذبية الاقتصادية، تكشف الوقائع أن المشكلة الأساسية ليست في الأنابيب ولا في المرافئ.
فالخط يمر داخل الأراضي السورية، ما يجعل إعادة تشغيله مرتبطة بجملة من الشروط:
– تفاهم سياسي بين بغداد ودمشق وبيروت.
– اتفاقات قانونية جديدة حول رسوم العبور.
– ترتيبات أمنية لحماية الخط.
– آليات تمويل لإعادة تأهيل المقاطع المتضررة.
– توافقات إقليمية ودولية، في ظل العقوبات المفروضة على سوريا وتعقيدات المشهد الجيوسياسي.
وهنا يتحول المشروع من ملف اقتصادي إلى ملف سيادي تتداخل فيه اعتبارات الطاقة مع النفوذ الإقليمي.
هل هناك منافسة خفية بين طرابلس وبانياس؟
السؤال الذي يطرحه مراقبون هو ما إذا كانت المقارنة بين طرابلس وبانياس تعكس مجرد تقييم تقني، أم أنها جزء من سباق أوسع على موقع كل ميناء في خريطة الطاقة الجديدة.
فإذا نجحت طرابلس في استقطاب النفط العراقي، فإنها ستستعيد دوراً فقدته منذ عقود، بينما قد تخسر بانياس فرصة التحول إلى محطة التصدير الرئيسية على المتوسط.
أما إذا تعثرت التفاهمات السياسية، فقد يبقى المشروع حبراً على ورق، وتبقى المنافسة مجرد نقاش نظري.
من يربح فعلياً؟
القراءة السياسية تشير إلى أن المستفيدين المحتملين يتجاوزون لبنان والعراق.
فالمشروع قد يعيد رسم خطوط التجارة والطاقة في شرق المتوسط، ويمنح العراق هامشاً أكبر في تصدير نفطه، ويعيد للبنان موقعه التاريخي كممر للطاقة، كما يفتح الباب أمام استثمارات في المرافئ والنقل والخدمات اللوجستية.
لكن في المقابل، فإن أي تغيير في خريطة الطاقة الإقليمية سيؤثر أيضاً في موازين النفوذ، ما يفسر حساسية المشروع وتشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية حوله.
اختبار حقيقي لقدرة الدولة
قد تبدو إعادة تشغيل خط كركوك – طرابلس مشروعاً تقنياً يهدف إلى نقل النفط، إلا أن ما يجري خلف الكواليس يكشف أنه اختبار حقيقي لقدرة لبنان على استعادة دوره الاقتصادي في المنطقة، ولقدرة العراق على تنويع منافذ تصديره، ولإمكانية التوصل إلى تفاهمات إقليمية تتجاوز الانقسامات السياسية.
فالأنابيب يمكن إصلاحها، والمنشآت يمكن تحديثها، والاستثمارات يمكن تأمينها، لكن العقدة الحقيقية تبقى في السياسة. ومن هنا، فإن مستقبل المشروع لن تحدده الجرافات أو الناقلات، بل موازين القوى الإقليمية، ومدى استعداد العواصم المعنية لتحويل فرصة اقتصادية واعدة إلى واقع عملي، أو إبقائها رهينة حسابات الجغرافيا السياسية… حيث يبدأ النفط، وتنتهي السياسة.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون |قسم التحقيقات




اترك تعليقًا