معركة استعادة الليطاني… هل تنجح الدولة أخيراً في إزالة التعديات أم تعود المخالفات بعد انحسار الجرافات؟
إزالة مخيم بين المنصورة وغزة تعيد فتح أكبر ملف بيئي في لبنان… آلاف التعديات ومليارات الليرات خسائر سنوياً
ميديا برس ليبانون
#ميديا_برس_ليبانون |لم يعد نهر الليطاني مجرد نهر يعاني من التلوث، بل تحول خلال العقود الماضية إلى نموذج صارخ لعجز الدولة عن حماية الأملاك العامة وإنفاذ القانون. فمن البناء العشوائي إلى المخيمات غير المنظمة، ومن الصرف الصحي غير المعالج إلى النفايات الصناعية والزراعية، تراكمت المخالفات حتى بات النهر الذي يؤمن المياه والري لمئات آلاف اللبنانيين أحد أكثر الأنهار تلوثاً في المنطقة.
وفي هذا السياق، باشرت فرق المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، بناءً على إشارة النيابة العامة المختصة، إزالة أحد المخيمات بين بلدتي المنصورة وغزة في البقاع الغربي، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والإدارات المعنية، ضمن خطة تهدف إلى إزالة التعديات واستعادة الأملاك العامة النهرية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تمثل هذه الخطوة بداية حملة شاملة، أم أنها ستبقى إجراءً محدوداً في مواجهة آلاف المخالفات؟
آلاف التعديات… والملف ما زال مفتوحاً
تشير تقارير رسمية صادرة عن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني خلال السنوات الماضية إلى تسجيل آلاف المخالفات على امتداد الحوض، توزعت بين:
– التعديات على الأملاك العامة النهرية.
– البناء غير المرخص داخل حرم النهر.
– تصريف مياه الصرف الصحي مباشرة إلى المجرى.
– رمي النفايات المنزلية والصناعية.
– الكسارات والمرامل والردميات.
– السحب غير القانوني للمياه.
– التوسع الزراعي داخل الأملاك العامة واستعمال المبيدات والأسمدة بكثافة.
ورغم تنفيذ عشرات حملات الإزالة، لا تزال مخالفات كثيرة قائمة، فيما تظهر تعديات جديدة في بعض المناطق، ما يثير تساؤلات حول فعالية الرقابة واستدامة تطبيق القانون.
الأرقام تكشف حجم الأزمة
وفق تقديرات رسمية ودراسات بيئية:
– يمتد نهر الليطاني لمسافة تقارب 170 كيلومتراً.
– يغطي حوضه نحو 20% من مساحة لبنان.
– يستفيد منه مئات آلاف المواطنين في مياه الري والشرب.
– ترتبط به آلاف الهكتارات الزراعية في البقاع والجنوب.
– خُصصت خلال السنوات الماضية مئات ملايين الدولارات لمشاريع الحد من التلوث وإنشاء محطات تكرير، إلا أن النتائج بقيت دون المستوى المطلوب بسبب التأخير في التنفيذ وضعف التشغيل واستمرار المخالفات.
لماذا تستمر التعديات؟
يرى خبراء أن أسباب استمرار المخالفات تعود إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها:
– ضعف الرقابة الميدانية.
– بطء تنفيذ الأحكام القضائية.
– عدم إزالة جميع المخالفات وفق معايير موحدة.
– غياب التنسيق الكامل بين الإدارات المعنية.
– الأوضاع الاقتصادية التي ساهمت في انتشار البناء العشوائي والمخيمات.
ويؤكد مختصون أن إزالة أي تعدٍ يجب أن تترافق مع منع إعادة إشغاله، وإلا فإن المخالفة تعود بعد فترة قصيرة.
ماذا يقول القانون؟
تنص القوانين اللبنانية المتعلقة بالأملاك العمومية المائية وحماية البيئة على منع إشغال الأملاك العامة النهرية أو تلويثها، وتجيز إزالة التعديات على نفقة المخالف، إضافة إلى الملاحقة الجزائية عند الاقتضاء.
كما تملك النيابات العامة صلاحية إعطاء الإشارات اللازمة لإزالة المخالفات بالتنسيق مع القوى الأمنية والإدارات المختصة، وهو ما يجري تطبيقه في الحملة الحالية.
التحدي الأكبر… وقف مصادر التلوث
يرى متابعون أن إزالة المخيمات أو الأبنية المخالفة لن تكون كافية إذا استمرت:
– شبكات الصرف الصحي غير المعالجة.
– المصانع المخالفة في تصريف نفاياتها.
– المكبات العشوائية.
– التعديات الزراعية داخل الحرم النهري.
فالمعركة الحقيقية لا تقتصر على إزالة المخالفات، بل تشمل معالجة الأسباب التي تنتج التلوث يومياً.
أسئلة استقصائية مشروعة
الحملة الحالية تفتح الباب أمام جملة من الأسئلة:
– كم يبلغ العدد الفعلي للتعديات المتبقية على نهر الليطاني؟
– هل تشمل خطة الإزالة جميع المخالفين من دون استثناء؟
– ما مصير المواقع بعد إزالة التعديات؟
– هل سيتم إعلان جدول زمني واضح لإنهاء الملف؟
– أين أصبحت مشاريع محطات التكرير التي أنفقت عليها أموال طائلة؟
– وهل ستشهد المرحلة المقبلة محاسبة للجهات التي تستمر في تلويث النهر؟
المنصورة وغزة رسالة واضحة
تشكل إزالة المخيم بين المنصورة وغزة رسالة واضحة بأن الدولة بدأت تتحرك لاستعادة الأملاك العامة النهرية، إلا أن نجاح هذه الخطوة سيبقى مرهوناً باستمرارية التنفيذ، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، ومعالجة مصادر التلوث من جذورها.
فإنقاذ الليطاني لا يحتاج إلى حملة مؤقتة، بل إلى سياسة وطنية دائمة تجمع بين القضاء، والأجهزة الأمنية، والبلديات، والوزارات المعنية، والمجتمع المحلي، حتى يستعيد النهر دوره كمورد استراتيجي للحياة والزراعة والاقتصاد في لبنان، بدلاً من أن يبقى عنواناً للتلوث والتعديات.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون |قسم التحقيقات



اترك تعليقًا