“العودة المعلّقة” إلى جنوب لبنان… دراسة تكشف أن انتهاء الحرب لا يعني انتهاء النزوح
ميديا برس ليبانون
#ميديا_برس_ليبانون | رغم عودة آلاف العائلات إلى بلداتها في جنوب لبنان بعد توقف العمليات العسكرية، تكشف دراسة حديثة أن هذه العودة لا تزال هشة وغير مكتملة، وأنها تجري وسط تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية تجعل الاستقرار الحقيقي بعيد المنال. فالمنازل المدمرة، والخدمات المتعثرة، والقلق من تجدد المواجهات، كلها عوامل ترسم صورة مختلفة عن مفهوم “العودة”، لتبدو أقرب إلى مرحلة انتقالية معلّقة بين النزوح والاستقرار.
بين الحنين إلى الأرض وغياب الضمانات
أظهرت دراسة نوعية أصدرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت بعنوان “العودة المعلّقة: عودة النازحين إلى جنوب لبنان وتحديات التعافي” أن العودة إلى القرى الجنوبية لم تكن في معظم الحالات نتيجة خطة رسمية أو إعلان حكومي يؤكد استقرار الأوضاع، بل جاءت نتيجة ضغوط معيشية واجتماعية دفعت السكان إلى اتخاذ القرار رغم استمرار المخاطر.
واعتمدت الدراسة على ثماني مجموعات نقاش ضمت 64 مشاركًا من العائدين، بهدف رصد واقعهم بعد العودة، من حيث الأمن والسكن والخدمات وفرص العمل والثقة بالمؤسسات الرسمية.
العودة… خيار اضطراري لا قرار آمن
تكشف نتائج الدراسة أن غالبية العائدين لم يعودوا لأن الظروف أصبحت آمنة بالكامل، بل لأن كلفة النزوح أصبحت لا تُحتمل، ولأن الإقامة المؤقتة لم تعد قابلة للاستمرار، إضافة إلى الحنين إلى الأرض وتأثير عودة الأقارب والجيران.
وتلفت الدراسة إلى غياب المعلومات الرسمية الدقيقة التي تمكن المواطنين من تقييم المخاطر، ما جعل قرار العودة يعتمد على الاجتهادات الشخصية أكثر من اعتماده على تقييمات الدولة.
الأمن… العقبة الأكبر
رغم انتهاء العمليات العسكرية الواسعة، بقي الشعور بانعدام الأمان العنوان الأبرز في شهادات المشاركين. فالخروقات الإسرائيلية المستمرة، وتحليق الطائرات المسيّرة، والخشية من اندلاع مواجهة جديدة، دفعت كثيرين إلى تأجيل إعادة إعمار منازلهم أو استثمار أموالهم في إصلاح ممتلكاتهم.
وتشير الدراسة إلى أن غياب الاستقرار الأمني لا يؤثر فقط في حياة السكان اليومية، بل ينعكس مباشرة على قرارات الاستثمار وإعادة إطلاق النشاط الاقتصادي.
المنازل موجودة… لكنها غير صالحة للحياة
وتبرز أزمة السكن كواحدة من أبرز التحديات، إذ إن عودة العائلات إلى بلداتها لا تعني بالضرورة العودة إلى منازلها، بعدما تعرض عدد كبير منها للتدمير أو لأضرار جسيمة.
واضطرت عائلات كثيرة إلى السكن لدى الأقارب أو في مساكن مؤقتة، فيما لجأت أخرى إلى ترميمات جزئية تسمح بالإقامة، رغم افتقار المنازل إلى الحد الأدنى من مقومات العيش.
اقتصاد منهك وفرص عمل محدودة
اقتصاديًا، تؤكد الدراسة أن الحرب تركت آثارًا عميقة على مصادر رزق السكان، ولا سيما في القطاع الزراعي والمؤسسات الصغيرة والأعمال اليومية.
وأمام تراجع فرص العمل وارتفاع معدلات الفقر، اعتمدت أسر كثيرة على مدخراتها أو تحويلات المغتربين لتأمين احتياجاتها الأساسية، فيما بقيت كلفة إصلاح الأضرار تفوق قدرات معظم العائلات.
فجوة بين المساعدات والاحتياجات
وترى الدراسة أن المساعدات التي قُدمت خلال فترة النزوح لم تعد تتناسب مع متطلبات مرحلة العودة، حيث باتت الأولوية لإعادة إعمار المنازل وتأهيل البنية التحتية وتأمين الخدمات الأساسية وخلق فرص العمل، وهي ملفات لا تزال تعاني نقصًا واضحًا في التمويل والتنفيذ.
التعافي يحتاج إلى خطة وطنية
وتدعو الدراسة إلى اعتماد مقاربة شاملة للتعافي، لا تقتصر على إعادة بناء الأبنية، بل تشمل تعزيز الأمن، وتوفير معلومات رسمية موثوقة، وإطلاق خطة وطنية لإعادة الإعمار بقيادة الحكومة اللبنانية، إلى جانب تمكين البلديات، وتحفيز الاقتصاد المحلي، وضمان الشفافية في إدارة أموال الإعمار.
“عودة معلّقة” تنتظر استكمال شروط الاستقرار الحقيقي
تخلص الدراسة إلى أن نجاح العودة لا يُقاس بعدد العائلات التي رجعت إلى قراها أو بعدد المنازل التي أُعيد ترميمها، بل بقدرة السكان على استعادة حياة مستقرة وآمنة ومستدامة. وفي ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية والخدمية، تبقى عودة النازحين إلى جنوب لبنان، وفق توصيف الدراسة، “عودة معلّقة” تنتظر استكمال شروط الاستقرار الحقيقي، حتى لا يتحول النزوح مجددًا إلى واقع متكرر مع أي تصعيد جديد.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون |قسم الدراسات والتحقيقات



اترك تعليقًا