بين الاحتكار والرقابة الأمنية… من يتحكم بسوق المحروقات في جنوب لبنان؟


ميديا برس ليبانون
#ميديا_برس_ليبانون | في بلدٍ تحوّلت فيه المحروقات إلى ورقة ضغط اقتصادي وأداة للربح غير المشروع مع كل أزمة، لم يعد إقفال محطات الوقود مجرد قرار تجاري، بل بات مؤشراً يطرح أسئلة تتجاوز السوق نحو الأمن الاقتصادي والاجتماعي. ففي قضاء بنت جبيل، كشفت جولة ميدانية نفذتها دورية تابعة للمديرية العامة للأمن العام – مكتب الأمن القومي في تبنين، عن مشهد يعكس جانباً من أزمة الرقابة على قطاع المحروقات، بعدما تبين أن عدداً من المحطات أقفل أبوابه لأسباب غير مبررة، قبل أن يُلزمها الأمن العام بإعادة فتحها أمام المواطنين.

من أزمة محروقات إلى ملف أمن قومي

ما جرى في تبنين لا يمكن قراءته كحادثة معزولة، بل يندرج ضمن ظاهرة تتكرر كلما شهدت الأسواق توتراً في الأسعار أو المخزون. فإقفال المحطات بصورة متزامنة يثير شبهة الاحتكار بهدف خلق ندرة مصطنعة، تمهيداً لتحقيق أرباح إضافية أو انتظار تعديل الأسعار.

وتؤكد المعطيات الميدانية أن دورية الأمن العام رصدت محطات مقفلة بحجج وُصفت بأنها غير منطقية، ما دفعها إلى التدخل الفوري وإلزام أصحابها بإعادة فتحها وتزويد المواطنين بالبنزين دون تأخير.

الاحتكار… أخطر من أزمة المحروقات

اقتصادياً، لا يبدأ الاحتكار عند نفاد المادة، بل عند التحكم بتوقيت عرضها في السوق. فعندما تُحجب الكميات المتوافرة عن المستهلكين، ترتفع حالة الهلع، ويزداد الطلب بصورة غير طبيعية، ما يفتح الباب أمام المضاربة ورفع الأسعار بصورة غير مباشرة، حتى وإن بقي السعر الرسمي ثابتاً.

ولا تقتصر الخسائر على المواطنين، بل تمتد إلى حركة النقل والتجارة والإنتاج، في وقت يعاني فيه الاقتصاد اللبناني أصلاً من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.

الأمن الاقتصادي… مهمة تتجاوز الرقابة التقليدية

تدخل الأمن العام في هذه القضية يعكس اتجاهاً متزايداً نحو اعتبار الأمن الاقتصادي جزءاً من الأمن الوطني، فحرمان المواطنين من المواد الأساسية لا يهدد حياتهم اليومية فحسب، بل ينعكس أيضاً على الاستقرار الاجتماعي، خصوصاً في المناطق الحدودية التي تعيش ظروفاً استثنائية.

ويرى متابعون أن الأجهزة الأمنية لم تعد تكتفي بضبط الجرائم التقليدية، بل باتت تتحرك أيضاً لمواجهة الممارسات التي تمس الأمن المعيشي، وفي مقدمتها الاحتكار والتلاعب بالسلع الأساسية.

هل تكفي الجولات الأمنية؟

رغم أهمية التدخل الميداني، إلا أن السؤال الأبرز يبقى: هل تكفي الجولات لإيقاف الاحتكار؟

فالخبراء يشيرون إلى أن المعالجة الحقيقية تستوجب:
■ تشديد الرقابة اليومية على المحطات.
■ فرض عقوبات رادعة بحق المخالفين.
■ مراقبة الكميات المستلمة والمباعة إلكترونياً.
■ تفعيل التنسيق بين وزارتي الاقتصاد والطاقة والأجهزة الأمنية والقضاء.

ويرون أن غياب المحاسبة السريعة يشجع بعض أصحاب المحطات على تكرار الممارسات نفسها عند كل أزمة.

الدولة أمام معركة الاحتكار

تكشف حادثة تبنين أن معركة الدولة ضد الاحتكار لا تقل أهمية عن أي معركة أمنية أخرى، لأن الأمن الاقتصادي بات أحد أعمدة الاستقرار الوطني. وبينما نجحت دورية الأمن العام في إعادة فتح المحطات وإنهاء الأزمة الآنية، يبقى التحدي الحقيقي في بناء منظومة رقابية تمنع تكرار هذه الممارسات، وتحول دون تحويل حاجات المواطنين الأساسية إلى وسيلة للابتزاز والربح غير المشروع.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات الاقتصادية


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا