إسرائيل والفوضى الإقليمية: حين يتحول “الانهيار حولها” إلى عبء يهدد أمنها


عمّان _ ميديا برس ليبانون

د. راشد الشاشاني
#ميديا_برس_ليبانون |لطالما حضرت في الخطاب السياسي والإعلامي مقولة جاهزة مفادها أن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من أزمات المنطقة، وأن الفوضى الأمنية والانقسامات الداخلية في الدول المحيطة بها تشكل بيئة مثالية لتعزيز نفوذها وترسيخ تفوقها.

لكن هذه القراءة، رغم انتشارها، تحتاج إلى مراجعة نقدية تتجاوز التفسيرات السريعة والشعارات المستهلكة. فالفوضى، بطبيعتها، لا تصنع دائمًا منتصرين، وقد تتحول في كثير من الأحيان إلى مصدر تهديد لمن يعتقد أنه قادر على التحكم بمساراتها.

السؤال الأساسي هنا: كيف استفادت إسرائيل فعليًا من انقسامات الساحة الفلسطينية، أو من الصراعات الداخلية في العراق، أو من أزمات لبنان، أو من الانفلات الأمني في سوريا؟

بل على العكس، فإن جزءًا كبيرًا من هذه الأزمات أنتج تحديات أمنية جديدة لإسرائيل. فهجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر جاءت في سياق بيئة إقليمية مضطربة لم تستطع إسرائيل منع تداعياتها. كما أن اضطرابات لبنان لم تكن بعيدة عن الحسابات الإسرائيلية، إذ فرضت عليها مواجهة طويلة ومكلفة مع حزب الله، سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا.

كذلك، فإن التطورات في جنوب سوريا فتحت أمام إسرائيل تحديات إضافية، بعدما وجدت نفسها مضطرة إلى التعامل مع ملفات أمنية معقدة، من بينها التوازنات الإقليمية وحضور قوى متعددة المصالح.

إسرائيل بين وهم السيطرة وعبء التمدد

المشكلة الأساسية أن إسرائيل لم تعد تواجه فقط أعداء تقليديين، بل أصبحت محاطة ببيئة غير مستقرة يصعب التحكم بها. وما تعتبره بعض التيارات الإسرائيلية مكسبًا استراتيجيًا من ضعف الدول المحيطة، قد يتحول في الواقع إلى مصدر دائم للقلق والاستنزاف.

وفي هذا السياق، بدأت إسرائيل تدرك أن مشاريع الانفتاح الإقليمي واتفاقيات التطبيع، سواء عبر “اتفاقيات إبراهام” أو غيرها، لم تكن بالضرورة طريقًا مضمونًا لتحقيق الأمن طويل الأمد. فهذه الاتفاقيات تضعها أيضًا أمام التزامات جديدة، وتربط خياراتها السياسية والأمنية بحسابات حلفائها وشركائها، خصوصًا الولايات المتحدة.

لقد وجدت إسرائيل نفسها في السنوات الأخيرة أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ فهي لا تتحرك عسكريًا في كثير من الملفات الكبرى إلا ضمن حسابات دقيقة مع واشنطن والعواصم الغربية، ما يقلّص هامش استقلالية القرار ويجعلها مرتبطة بشبكة من المصالح الدولية.

التحالفات… من مصدر قوة إلى قيود سياسية

إن الدخول في اتفاقيات مع دول المنطقة لا يعني فقط تحقيق مكاسب سياسية، بل يفرض أيضًا استحقاقات وضغوطًا. فإسرائيل باتت مطالبة بالتعامل مع ملفات إقليمية لا يمكن حسمها بالقوة وحدها، سواء تعلق الأمر بالعلاقات مع السعودية أو بالملفات الأمنية في سوريا ولبنان.

فالمنطقة لا تتحرك وفق منطق “دولة دينية كبرى” أو انتصار نهائي لطرف على آخر، بل وفق توازنات مصالح متغيرة، تجعل أي مشروع سياسي عرضة للمراجعة والتبدل.

جبهات متعددة وخصوم أكثر

في الملف السوري تحديدًا، وجدت إسرائيل نفسها أمام معادلات شديدة التعقيد. فمحاولات إدارة المشهد الأمني في الجنوب السوري، والتعامل مع قضايا الطوائف والمجموعات المسلحة، لم تؤدِّ بالضرورة إلى تقليص مصادر الخطر، بل ربما ساهمت في إنتاج واقع أكثر تشابكًا.

كما أن الحديث عن دعم بعض المكونات السورية، من الأكراد أو العلويين أو الدروز، بقي محكومًا بحسابات المصلحة الإسرائيلية لا بمنطق التحالفات الدائمة، إذ إن إسرائيل تدرك أن أي انخراط مباشر في هذه الملفات قد يتحول إلى عبء طويل الأمد.

وهكذا تجد نفسها أمام معادلة صعبة: تريد منع تمدد المخاطر حولها، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن يؤدي تدخلها إلى زيادة عدد الخصوم والجبهات المفتوحة.

الفوضى المقبلة… اختبار للجميع

إن الفوضى التي شهدتها المنطقة لم تكن نتاج قرار إسرائيلي منفرد أو مشروع أميركي مباشر كما يُروّج أحيانًا، بل هي نتيجة تراكمات داخلية وإقليمية امتدت لسنوات طويلة، بدأت ملامحها تتبلور قبل أكثر من عقد.

لكن نتائج هذه الفوضى لن تكون بلا ثمن على الجميع، بما في ذلك إسرائيل، التي قد تجد نفسها أمام واقع أمني أكثر تعقيدًا مما اعتقدت أنها قادرة على إدارته.

وفي النهاية، فإن قراءة مستقبل المنطقة لا يجب أن تقوم على الأساطير السياسية، ولا على التنبؤات الغيبية حول زوال دول أو نشوء إمبراطوريات، بل على فهم حركة المصالح، وتبدل موازين القوى، وقدرة الشعوب والدول على إعادة إنتاج واقع جديد.

فالتاريخ لا يُكتب وفق الشعارات، بل وفق التحولات التي تصنعها الوقائع.

اعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون |قسم التحليل والآراء


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا