“الليطاني تحت المجهر”: محطة معالجة وقسطل تصريف… وأسئلة بالملايين عن البيئة والصحة والمال العام

تحقيق استقصائي يفتح ملف التلوث الصناعي في البقاع: ماذا كشفت اللجنة الفنية عن مصنع «بوبينز – سنيبس»؟ ومن يتحمل كلفة التلوث إذا ثبتت المخالفات؟

تحقيق – ميديا برس ليبانون #ميديا_برس_ليبانون | في ملف شديد الحساسية تتقاطع فيه البيئة مع الصحة العامة والاقتصاد والقانون، أعادت “المصلحة الوطنية لنهر الليطاني” فتح قضية التصريف الصناعي في البقاع، بعد إعلانها عن نتائج كشف فني مشترك مع وزارة الصناعة داخل مصنع «بوبينز – سنيبس» التابع لشركة «ضاهر الدولية للأغذية».

وبحسب ما ورد في بيان المصلحة، كشفت اللجنة عن وجود قسطل منفصل، قالت إنه ينقل مياه صناعية غير معالجة لمسافة تقارب 150 متراً قبل تصريفها في المجاري والسواقي الطبيعية، كما أشارت إلى وجود عملية خلط للمياه الصناعية بمياه نظيفة قبل دخولها محطة المعالجة.

هذه المعطيات، إذا ثبتت أمام الجهات المختصة، تطرح أسئلة جدية حول فعالية منظومة معالجة الصرف الصناعي وآليات الرقابة عليها، خصوصاً أن المصنع، بحسب المعطيات المعلنة، ينتج نحو 120 ألف ليتر من المياه العادمة يومياً.

ويؤكد «ميديا برس ليبانون» أن ما يرد في هذا التحقيق بشأن الوقائع الجديدة هو نقل وتحليل لما أعلنته الجهات الرسمية المختصة، ولا يشكل حكماً أو إدانة مسبقة لأي شخص أو شركة، فيما تبقى المسؤولية القانونية من اختصاص القضاء والجهات الرقابية المخولة حصراً.

محطة معالجة… ومسار آخر للمياه؟

وجود محطة لمعالجة المياه الصناعية يفترض أن يعني أن مياه الصرف الناتجة عن العملية الإنتاجية تمر عبر منظومة معالجة قبل تصريفها.

لكن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني تقول إن الكشف الفني أظهر وجود قسطل منفصل عن محطة المعالجة.

وإذا تأكدت هذه الواقعة فنياً وقضائياً، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بكفاءة محطة المعالجة وحدها، بل يصبح أكثر تعقيداً:

ما وظيفة هذا القسطل؟ وما مصدر المياه التي تمر عبره؟ وإلى أين تصل؟ ومنذ متى هو موجود؟ وهل كان مدرجاً ضمن المخططات والتراخيص المعتمدة؟

أسئلة يفترض أن تجيب عنها التقارير الفنية والوثائق الرسمية، لا التكهنات.

120 ألف ليتر يومياً… أين تذهب الكميات؟

تتحدث المعطيات التي أعلنتها المصلحة عن إنتاج نحو 120 ألف ليتر من المياه العادمة يومياً.

وهذا الرقم يرفع أهمية الملف من مجرد مخالفة محتملة إلى قضية تتعلق بإدارة ملايين الليترات من الصرف الصناعي سنوياً.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراقبة دقيقة للكميات الداخلة إلى محطة المعالجة والخارجة منها، وإلى مطابقة هذه الكميات مع حجم المياه المستخدمة في العملية الإنتاجية.

فالرقابة الفعالة لا تقوم فقط على أخذ عينة من المياه، بل تحتاج إلى معرفة كمية المياه ومصدرها ومسارها وتركيبة الملوثات فيها.

خلط المياه… سؤال تقني وقانوني

بحسب بيان المصلحة، أظهرت نتائج الكشف خلط المياه الصناعية بمياه نظيفة قبل دخولها محطة المعالجة.

ولا يمكن حسم الأثر القانوني أو التقني لهذه العملية إلا من خلال التقرير الفني ونتائج التحاليل المخبرية.

لكن من الناحية الرقابية، فإن السؤال واضح:

هل يؤدي خلط المياه إلى تخفيض تركيز الملوثات في العينة من دون معالجة فعلية للحمولة الملوثة؟

وإذا كان الأمر كذلك، فهل تعتمد الجهات الرقابية قياسات تراعي كمية الملوثات الإجمالية وليس تركيزها فقط؟

هذه التفاصيل التقنية قد تبدو صغيرة، لكنها في ملف الصرف الصناعي يمكن أن تحدد الفرق بين معالجة فعلية وتخفيف للتركيز.

القضية لا تتوقف عند البيئة

التلوث المائي لا يبقى محصوراً في حدود المصنع.

فنهر الليطاني يرتبط بمنظومة زراعية واسعة، وأي تلوث للمياه قد يطرح أسئلة حول نوعية مياه الري والتربة والمحاصيل، بحسب طبيعة الملوثات وكمياتها ومسارات انتقالها.

ومن هنا، فإن أي ادعاء بوجود تصريف صناعي غير مطابق للمواصفات يستدعي، في حال ثبوته، فحوصاً علمية مستقلة للمياه والتربة والمحاصيل في المناطق المحتملة التأثر.

ولا يجوز، في المقابل، الانتقال من مجرد ضبط بيئي إلى إعلان وجود ضرر صحي على السكان أو المنتجات الزراعية من دون نتائج علمية تثبت العلاقة السببية.

كلفة التلوث: من يدفع؟

للملف بعد اقتصادي لا يقل أهمية عن الجانب البيئي.

فإذا ثبت وجود تصريف غير مطابق للمعايير، فإن كلفة الضرر لا تتحملها المنشأة وحدها بالضرورة.

قد تنتقل الكلفة إلى الدولة، والمزارعين، والبلديات، والمستهلكين، والجهات التي تضطر لاحقاً إلى تنظيف المياه أو معالجة آثار التلوث.

وهنا تبرز معادلة مالية بسيطة:

هل كلفة الالتزام البيئي أعلى من كلفة مخالفة القانون؟

إذا كانت العقوبة المحتملة أقل بكثير من كلفة إنشاء وتشغيل منظومة معالجة فعالة، فإن النظام الرقابي يحتاج إلى مراجعة، لأن الغرامة في هذه الحالة قد تتحول عملياً إلى كلفة تجارية للمخالفة بدلاً من أن تكون رادعاً لها.

القضاء… الفيصل وليس الإعلام

هذا الملف له أيضاً بعد قضائي سابق.

فقد أعلنت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني عن صدور قرار قضائي بحق شركة «ضاهر إنترناشونال فودز» في قضية مرتبطة بتلوث مياه الليطاني، مع إجراءات وفحوص بيئية ألزمت بها الشركة وفق القرار.

لكن من المهم التمييز بين الملف القضائي السابق وبين نتائج الكشف الفني الجديدة.

فوجود حكم سابق لا يعني تلقائياً ثبوت المخالفة الجديدة، كما أن وجود كشف فني لا يعني صدور إدانة قضائية.

وهذا الفصل أساسي في أي معالجة إعلامية مسؤولة.

هل العقوبات الحالية رادعة؟

المشكلة لا تتعلق بشركة واحدة فقط.

فملف التلوث الصناعي في لبنان يطرح سؤالاً وطنياً أوسع حول قدرة الدولة على فرض المعايير البيئية على المنشآت الصناعية، وحول مدى تناسب العقوبات مع حجم الضرر.

والسؤال الذي يستحق النقاش التشريعي والقضائي هو:

هل الغرامات الحالية كافية لردع المؤسسات الصناعية الكبيرة؟

وهل يجب أن ترتبط العقوبة بحجم الضرر، وكمية الملوثات، ومدة المخالفة، والقدرة المالية للجهة المخالفة، وتكرار المخالفات؟

ما المطلوب الآن؟

بدلاً من الاكتفاء بالبيانات المتبادلة، فإن الملف يحتاج إلى نشر الحقائق الفنية القابلة للتحقق:

– تقرير اللجنة الفنية كاملاً.
– نتائج العينات المخبرية.
– كمية المياه الداخلة إلى محطة المعالجة والخارجة منها.
– مخطط شبكة الصرف داخل المنشأة.
– الوضع القانوني للقسطل الذي تحدثت عنه المصلحة.
– التراخيص والموافقات البيئية.
– نتائج الفحوص الدورية السابقة.
– الإجراءات التي اتخذتها الوزارات والجهات الرقابية.
– والمسار القضائي للملف الجديد، إذا أحيل إلى القضاء.

وفي المقابل، من حق الشركة المعنية الرد على ما ورد في بيان المصلحة وتقديم مستنداتها وتقاريرها الفنية، وهو حق أساسي في أي تحقيق صحافي مهني.

الحقيقة يجب أن تمر عبر المختبر والقضاء

القضية ليست معركة إعلامية بين مؤسسة رسمية وشركة خاصة.

إنها اختبار لمنظومة الرقابة البيئية في لبنان.

إذا أثبتت الفحوص والتقارير الرسمية وجود تجاوزات، فيجب تطبيق القانون بصورة حازمة ومتساوية، أياً تكن هوية الجهة المخالفة أو حجمها.

وإذا أثبتت التحقيقات الفنية عكس ذلك، فمن حق الجهة المعنية أن تُظهر الحقائق وتوضح للرأي العام ما جرى.

أما دور الإعلام، فلا يتمثل في إصدار الأحكام، بل في طرح الأسئلة، كشف الوثائق، متابعة المال العام، مراقبة أداء المؤسسات، وإبقاء الملفات الحساسة تحت الضوء حتى الوصول إلى الحقيقة.

تنبيه قانوني وحقوق الرد

يؤكد «ميديا برس ليبانون» أن جميع الوقائع المتعلقة بالكشف الفني الجديد منسوبة إلى البيانات والتقارير الصادرة عن الجهات الرسمية المختصة، وأن نشرها لا يشكل بأي شكل من الأشكال حكماً أو إدانة أو اتهاماً جزائياً بحق أي شخص أو شركة. كما يحتفظ الموقع بحقوق جميع الأطراف في الرد والتوضيح، ويؤكد أن تحديد المسؤوليات القانونية والفنية يعود حصراً إلى الجهات القضائية والرقابية المختصة. إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون | قسم التحقيقات البيئية والصحية


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا